بين الدنيا والآخرةمكتوبات

بين الدنيا والآخرة |7| تَفَلُّتُ المعاني

ليست المعاني الإيمانية والمعارف الإحسانية – التي حثَّ المعلم المربي صاحبَه على لزومها ولزوم منبعِها – معلوماتٍ عقليةً مُجَرَّدةً، أو رصيدًا ثقافيا يُخَزِّنُه الدماغ – أيُّ دِمَاغٍ – فَيَمْتَلِئُ جوفُ ابنِ آدمَ إِثْرَهَا إيمانًا ويرتقي قلبه إحسانا! أَبَدًا.

وليست هذه المعاني والمعارف أفكارًا يستوعبها العقل ويجتهدُ يفكِّكُ عناصرها ويَكِدُّ يُحَلِّلُ مضمونَها ويُوَلِّدُ منها أفكارًا جديدة فيُكْشَفُ عنه الغطاءُ ويُفتَحُ له الباب! أنَّى له؟

وليست هذه المعرفة مضمونًا يابسًا جامدًا ثابتًا لِلَفْظَةٍ أو مفهومًا فلسفيًّا هلاميًّا غامضًا تلعب الأسئلَةُ الْمُتَنَاسِلَةُ بصاحبه لَعِبَهَا، إِذًا لَكَانَ بُدِّلَ أَهْلُ المعرفة وقاموسُ الولاية ومعيارُ الإيمانِ في تاريخ البشرية تبديلاً!

وليست المعرفة المقصودة ههنا، والتي بذل من أجلها العارفون الْمُهَجَ، ما يكاد ينصرف فَهْمُ الناس، إنْ تَلَوْا أو سمعوا من آيات الله ما يحدث عن العلم وشرفه، إلى العلوم العقلية الكسبية التي يستوي في تحصيل ظواهرِها المؤمنُ والكافرُ على حد سواء حتى احْتَجُّوا فيها بقوله تعالى: “قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ”[1].

فمَن هؤلاء الذين يعلمون وأولئك الذين لا يعلمون؟

وما حقيقة هذا “العلم” الذي مُدِح فريقٌ بتحصيله فيما حُرِمَه فريق؟

الجوابُ في أول الآية المحتَجِّ بها:

“أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ”[2].

هل يستوي القانتُ آناء الليل الساجدُ لله المجتهدُ المجدُّ الْوَجِلُ الراجي رحمةَ مولاه والغارقُ في سباتٍ المستكبرُ عن عبادة ربِّه الآمنُ مكرَ الله اليائسُ من رحمة الله؟

“إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ”.

إنما يتذكر ويتفكر ويتدبر ويفهم عن اللهِ العقلُ المؤتَمِرُ بأمر قلبٍ مُلِئ إيمانًا. وما العقل إلا جندي من جُنْد القلب، فبأمره يأتمر وبنهيه ينتهي وبحاله يتَّصف.

العلم الحقيقي هو العلم الذي يُنَوِّر ظلمات القلب فيعرف صاحبُه أن له ربًّا واحدًا يُخافُ ويُرجى، والمعرفة الحقيقية هي المعرفة التي تُحْيِي هذه “العضلة” المحركةَ الآمرةَ الناهيةَ بالمعارف التي لا يُعَدُّ العبد في أولي الألباب إلاَّ بتحصيلها.

وقد تحتاج بعض المعاني والمعارف الإيمانية إلى لغةٍ حاملةٍ وقاموسٍ شارح حاجةَ اللَّبَن إلى سِقاءٍ يستوعبه وأكوابٍ، ولكن اللغة البشرية لا تَصنع المعرفةَ مثلما لاَ يصنع السِّقاءُ لَبَناً خالصًا سائغًا للشاربين. إلاَّ لغة القرآن؛ فهي صانعة المعرفة، وهي ذاتُها معرفة، وهي هي عينُ المعرفة.

ولكن ما هي هذه المعاني والمعارف؟

المعنى الإيماني، إن مُثِّلَ، كائنٌ حي له روح: يَقْوَى ويضعف ويحضر ويغيب ويحيى ويموت بحسب ما يَرِدُ إلى القلب من أسباب قوةِ أو ضعفِ وحضور أو غياب وحياةِ أو موتِ تلك المعاني والمعارف. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري عن أبي موسى: “مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لاَ يَذْكُرُ رَبَّهُ كَمَثَلِ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ”، أي إن العبد يجتهد في ذكر الله تعالى فيَرِدُ إلى قلبه ويحيى فيه ويَقْوَى معنى مَعِيَّتِهِ سبحانه: “أَنَا مَعَ عَبْدِى مَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ”[3]، ويَغْفُلُ فيضعف هذا المعنى فيه أو يغيب أو يموت والعياذ بالله. لَكَأَنَّ الله تعالى نفخ في حَمَإِ كلِّ إنسان قابليةَ تَمَثُّلِ جملةٍ من المعاني والمعارف المتنوعة تَنَوُّعَ ما يطلب سبحانه إليه أن يَبْنِيَهُ في ذاتِ روحه من أركان الإسلام ويتشرَّبَه من شُعَبِ الإيمان ويرقاه من درجات الإحسان.

روى الإمام أحمد عَن أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنْ قُلُوبِ الرِّجَالِ مِنْ الإِبِلِ مِنْ عُقُلِهِ”. شبَّه صلى الله عليه وسلم تَفَلُّتَ المحفوظِ من كتاب الله من قلوب من لم يتعاهدوه بالحفظ والمراجعة بِتَفَلُّتِ الإبل من عُقُلِهَا. وكذلك تتفلت المعاني الإيمانية من قلب العبد فتضعف أو تغيب أو تموت إن لم يتعاهدها بالصحبة الْمُذَكِّرَة ويجددْها بالتزكية المطهِّرة.

ولئن كانت الآيات والألفاظُ والْمَبَانِي القرآنيةُ تَتَفَلَّتُ تفَلُّتًا من قلوب من لم يأخذ بالوصية النبوية فإن تفلُّتَ المعاني الإيمانية والمعارف الإحسانية منها أسرع. ذلك أنك تجد من يحمل في صدره من كلام الله تعالى ما لا رصيد له في قلبه من معانيه ومعارفه الإيمانية إلا كما للقابض على الماء منه: حَمَلَ المباني وضَيَّع المعاني نسأل الله العافية ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

“رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ”[4].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – الزمر 9.
[2] – الزمر 9.
[3] – رواه الإمام أحمد وابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[4] – آل عمران 9.

وسوم

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق