بين الدنيا والآخرةمكتوبات

بين الدنيا والآخرة |9| صحبة الوحي

اُذْكُرْ معي وتأمَّلْ وتَفَكَّر كيف كان حاله صلى الله عليه وسلم إذِ انقطع عنه الوحي في أول البعثة؛ أَلَمْ يكن يَهُمُّ صلى الله عليه وسلم بالتردِّي من على رؤوس الجبال لولا أن الله تعالى تدارَكَه بـ”الضُّحَى” ومنَّ عليه فيها بالصِّلةِ والبشارةِ والرِّضا؟ وقد كان هذا في أول أيام البعثة وفي أول عهده صلى الله عليه وسلم بتذَوُّقِ الوحي، فكيف كان يكون حاله صلى الله عليه وسلم بعد أن استأنس بكلمات الرب واصطبغَ بصبغتها واستنار وتَنَوَّرَ بنورها حتى أضحى صلى الله عليه وآله وسلم كُلُّه كُلُّهُ نوراً من نور؟!

كان ذاك حالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أما أصحابه، رضي الله عنهم، فقد شَهِدُوا الوحيَ يَتَنَزَّلُ بين ظُهرانيهم موجِّهًا مبشِّرًا منذرًا مذكِّرًا معلِّمًا حَكَمًا مؤنسًا مؤيِّدًا مزهِّدًا في الدنيا مرغِّبًا في الآخرة، فارتبطت قلوبهم بآياته، وتعلَّقَتْ أفئدتهم بأهدابه، وتشرَّبَتْ أرواحُهم سَنِيَّ أشعته حتى إنهم كانوا ينتظرون في كل حادثة فَصْلَ الخطاب من آياته البينات. فلما التحق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بربه وتَمَّتْ نعمة الله عليهم انقطع ما كان يوحى إليه من القرآن. مصيبتان اثنتان في واحدة: الوفاة وانقطاع الوحي. فَتَخَيَّلْ حالَ أبِي بكرٍ وعمر وجماعةِ المؤمنين وقد استأنسوا بالوحي وتنوروا به واصطبغوا بصبغته وكفاهم في ملمات الأمور بقوله الفصل!

روى الإمام مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: قال أبو بكر لعمر، رضي الله عنهما، بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: “انطلقْ بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها”. فلما انتهينا إليها بَكَتْ فقالا لها: “ما يبكيك؟ أما تعلمين أن ما عند الله تعالى خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم”؟ قالت: “إني لا أبكي أَنِّي لا أعلم أن ما عند الله خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكني أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء”؛ فَهَيَّجَتْهُمَا على البكاء، فجعلا يبكيان معها.

بكاءُ المؤمن الشَّيِّقِ إلى مَدَدِ القرآن، الْمُؤْتَمَنِ الْمُشْفِقِ على نفسه من أمانة أُمَّةِ القرآن.

في الحديث النبوي الذي مَرَّ بنا يوصينا المعلم المربي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أن نتعاهد القرآن لأنه: “أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنْ قُلُوبِ الرِّجَالِ مِنْ الإِبِلِ مِنْ عُقُلِهِ”؛ وفي آيات الأعراف يتلو علينا المعلم المربي صلى الله عليه وآله وسلم من آيات الله ما يحذِّرنا به تعالى أن نكون مثل ذاك “ٱلَّذِيٓ” آتاه الله آياته “فَٱنسَلَخَ مِنۡهَا فَأَتۡبَعَهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡغَاوِين”[1]. وفي آيات الإسراء يُذَكِّرُ سبحانه نبيَّه بعظيم قدرته وخصوص فضله عليه ورحمته به صلى الله عليه وسلم. ولعل في ما سبق من آياتٍ سِرَّ ما شَيَّبَه صلى الله عليه وسلم من أَمْرِ وَنَهْيِ سورة “هود”، وذلك في قوله تعالى: “فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ”[2].

الاستقامة تَمَامُ الطاعةِ والاستسلامِ لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ودوامُ الْقَصْدِ في سلوك السبيل إليه سبحانه -في غير التفاتٍ- دَوَامَ النَّفَسِ الْمُلْهَم، ولُزُومُ الإخلاص لله عز وجل لزومَ الروحِ في البدن، وكمالُ الافتقار إليه تعالى في كل شأن، والدعوةُ إليه سبحانه على بصيرة، ولقاءُ العبدِ رَبَّه في دار الجزاء على العهد والميثاق غير مبدِّل ولا مُغَيِّر.

والطغيان أوَّلُهُ هَوًى فزَيْغٌ فاستغناء، وآخره عَمًى فعُدْوَانٌ فَكُفْر. نعوذ بالله من الحرمان بعد العطاء.

فَمَنْ للعبد يهديه في ظلمات الدنيا ويَسْلُكُ به بين شِعاب الهوى وخلال أودية النفس الأمارة سلوكاً إلى المقصد الأسنى والغاية الأسمى وهي معرفته الله تعالى؟

وهل بِمُكْنَةِ أَيٍّ كان أن يدل الناس على الله ويُعَرِّفَهم إليه سبحانه؟

ومن ذا الذي يستطيع أن يربط قلوب العباد بالله وبالدار الآخرة كأنهم “رأْي عين” كما ربط المعلم المربي صلى الله عليه وآله وسلم قلوب أصحابه؟

وبأية بصيرة؟

وتحت أيِّ نور؟

ــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – الأعراف 175.
[2] – هود 112.

وسوم

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق