بين الدنيا والآخرةمكتوبات

بين الدنيا والآخرة |10| “لآ أُحِبُّ الآفِلِينَ”

“ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۚ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ”[1].

في السماء من الكواكب المنظورة ما أَفَلَ في الزمن الغابر ولم تدرك الأبصار القاصِرَةُ أُفُولَه بَعْدُ، وفيها ما وُلِدَ آفلاً، وفيها ما خلقه الله تعالى نوراً نَيِّراً منيراً من أول ما خُلِقَ ولا أُفول له إلى قيام الساعة “يَوۡمَ تَرَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَسۡعَىٰ نُورُهُم بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۖ”[2]، لا يفارقهم حتى يُشَيِّعَهُم إلى غايتهم ومُناهم.

وما النور الخالد الذي أْتَمُّوا به في الدار الدنيا واقتدَوْا فاهتدوا وامتدت به الحياة إلى الدار الآخرة يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ليبلِّغَهم ما بُشِّرُوا به غيرُ النورِ التَّامِّ الكاملِ سيدِنا محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم.

ربما وجد العبدُ شعاعَ جذوةٍ يستنير به، غير أنه لا يكاد يبرق حتى يخبو فلا يجد من أثره في نفسه سوى زادٍ ثقافي معلوماتي تحترق بعضُ تجلِّياتِه وصُوَرِهِ الروحيةِ في مُحَرِّكِ الحركة الميدانية والقلبُ من معاني الإيمان خالٍ وإليها صَدٍ، فما يسلك به في عتمة ليل طويل وبيداءٍ موحشة إلى غايته ومراده -إن كانت له غاية وكان له مراد!

فهل يكفي أن يكون للحديثِ أو للعملِ أو للحركة أو للمشروعِ الذي أنضوي تحت لوائه عنوانٌ ربَّانِيٌّ حتى أضمن لنفسي سلوكاً على بصيرة إلى معرفة الله على عين نبي الله وتحت ظل حبيب الله وعلى منهاج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟

وهل يَصْلُحُ أمرٌ من أُمُور الدين أو الدنيا إن دخله العبد من غير باب الإقبال على شَأْنِ ذات النفس في سياق المشروع النبوي الكامل؟

ما خلق الله الخلق إلاَّ لغاية واحدة وحيدة: “وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ”[3]، ولا بُعِثَ صلى الله عليه وسلم إلاَّ ببرنامجٍ واحد وحيد: “إنَّما بُعثتُ لأتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ”[4]؛ فكلُّ حديثٍ وكل عملٍ وكل حركة وكل مشروعٍ لا تكون عبادةُ اللهِ والاعتصامُ بِحبله ومعرفتُه ومحبتُه غايتَه ومُرادَه ومَدَاهُ ومنتهاه، وتربيةُ النفسِ وتقويمُها وتزكيتُها والإقبالُ على شأنِها برنامَجَه، وذكرُ اللهِ والدارِ الآخرة دَأْبَهُ ودَيْدَنَهُ وَنَفَسَهُ وهَوَاهُ وَهَوَاءَهُ ولُبَّهُ ومَرْكَزَهُ ومِحْوَرَهُ فلا أصل له إلى سُنَّةٍ ولا نَسَبَ له إلى كتاب. أبداً.

ومن سلكَ سبيلاً مَدَاهُ ومُنتهاه معرفةُ الله وبرنامَجُهُ التمثُّلُ والتأسي بِخُلُق نبيِّ الله كان حظُّه من معاني الإيمان ومعارف الإحسان أكبر، وكانت روحه أصفى وأنقى وأرقى، وكان أحرى أن يجذب بحياتها وعلى قدْرِها الأرواحَ إلى الغاية السامية كما يجذب المغناطيسُ المعادنَ، وكان لنجمه بَريق ونور يهتدي به الناس – على قَدْرِه – في ظلمات الدنيا كما يهتدون بالنجم في ظلمات البر والبحر. فإن كان لهذا النجم أصل وَوَصْلٌ وصِلة ونَسَبٌ وسَنَدٌ إلى النور النبوي الكامل فلا خوف على الْمُدْلِج حتى يبلغ المنزل بإذن الله.

المعاني الإيمانِيّة سراجُ القلب، فَتِيلُها الصحبة الرَّبَّانيَّة الذاكرة المذكِّرة، وزَيْتُها وَوَقُودُها ذِكْرُ الله ودوامُ الافتقارِ إليه جلَّ وعَلاَ، وزجاجتُها ومُكَثِّفُها وحَامِيها خُلُوصُ الصدقِ والقصدُ في طلب وجهه سبحانه. فعلى قَدْرِ قوةِ الفتيلِ ومتانته وامتداده ومَدَدِ الزيتِ الْوَقُودِ وإمدادِه وصفاءِ الزجاجةِ وصلابتها يكون وهج النور وهو المطلوب ليُدْلِجَ العبد إلى الغاية العظمى على نور من ربه وعلى بصيرة.

ولِمَنْ أَدْلَجَ من ربه نفحات وبركات يُنَزِّلُهَا عليه كلما سار مهتديا مقتديا مؤْتَمّاً بالنور الكامل الهادي، مستغرقَ الْفِكْرَةِ والْخَطْرَةِ والنظرةِ في المنزل المقصود والواحد المعبود واليوم الموعود.

اللهم بَلِّغْنَا المنْزل. آمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – النور 35.
[2]- الحديد 12.
[3]- الذاريات 56.
[4]- رواه البيهقي.

وسوم

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق