بين الدنيا والآخرةمكتوبات

بين الدنيا والآخرة |11| الْهَرَمُ المقلوب!

من الناس من يظن أن جُرْعَةَ تربية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه خَفَّتْ بانتهاء المرحلة المكيةِ وبتتويجها بإقامة الدولة الإسلامية. والدولة الإسلامية، في عُرْفِ هذا الناس، هي ثمرةُ الدعوةِ المرجوةُ وشعارُهَا ورمزُها وعنوانُها وباعِثُ حركتِها. وتحقيق الدولة الإسلامية على الأرض، عندهم، هو الأملُ والغايةُ والمرام والمدى والهدف والمنتهى الذي من أجله نتربَّى ونُقَوّي إيماننا!

ويعتبر بعضُ العاملين في الحقل الإسلامي ذكرَ الله عز وجل في الخلوة والجلوة، والقيامَ والاِنكسارَ والتبتلَ بين يديه تعالى والاِجتماع على مدارسة كتابه والتواصيَ بما ينفع العبد بعد الموت مرحلةً متجاوَزَةً نَسَخَتْهَا مرحلةُ “التحرك والتدافع والصراع السياسي”. ومِنْ هذا ومِثْلُهُ أن يخططَ بعض الدعاة فيجعلوا تربية الإيمان في القلوب وقودًا للاِنطلاق في صناعة الحياة في الأرض؛ وما صناعة الحياة عندهم إلا هذه المشاريع الاقتصادية والاِجتماعية والثقافية -الضرورية بحق- التي تتآكل في ميادينها الأرواحُ وَيَتَفَلَّتُ معها الإيمان من القلوب وتتناسل منها حظوظ النفوس إن لم تَجِدْ من يزكيها ويجدده –أقصد الإيمانَ- بذكر الله وذكر المعاد والسعي في عمران الآخرة. كأن الإيمان عند هذا الناس لا يَبْلَى في جوف أَحَدِنَا كما يبلى الثوب، وكأنَّ معانيَه ومعارفَه لا تتفلَّتُ من القلب تَفَلُّتَ الإبل من عُقُلِه، وكأنَّ الله تعالى لم يَتْلُ علينا نَبَأَ ذاك “الذي” لنخشى ونَحْذَرَ ونتَّعظ.

وهل الإيمان الذي يُعْرَفُ به ربُّنا عز وجل ومن أجله بُعِثَ الأنبياء والمرسلون وفي سبيله إعلاء رايته وتجديد منهاجه يجاهد الوارثون المجددون مجردُ وقود يحترق في محرك الحركة الميدانية ويتبخر في سبيل الصراع السياسي فلا تدعو إليه حاجةٌ بَعْدُ ما دام صاروخ “صناعة الحياة” قد تَخَلَّصَ من الجاذبية وما دام الصراع السياسي أَشْرَفَ بنا، بَعْدَ عقبات “الدعوة”، على مُنْحَدَرِ “التمكين”؟

وهل يُسَرَّحُ العباد من إسارِ الدنيا وجاذبية النفس الأمارة والهوى الْمُطْغِي والشيطان القرينِ إلا مع آخر نَفَسٍ يلفِظه العبد؟

وأي إيمان هذا الذي يَصْلُح وقودا محترقاً متبخِّراً للانطلاق في صناعة الحياة الدنيا ولا يُتَوَسَّلُ به إلى عُمران الحياة الآخرة؟ أي إيمان؟

وهل يستقيم في دين الله أن تكون تزكيةُ الأنفس مُبْتَدَأً سماويًّا عظيمًا لِخَبَرٍ أَرْضيٍّ عابر؟

“اللَّهُمَّ لاَ عَيْشَ إِلاَّ عَيْشُ الآخِرَةِ”[1].

ما كان صلى الله عليه وسلم يحمل هَمَّ النصرِ الإلهيِّ -إِذْ بُشْراهُ يقينٌ وموعودُهُ حقٌّ وفَتْحُهُ قريبٌ- بذات القدْر الذي كان يحمل هَمَّ حال قلوب أصحابه أن تتآكلَ بالتنافس في الحظوظ الدنيوية أو أَنْ تَتَفَلَّتَ منها معاني الإيمان والإحسان التي رباهم وأنشأهم عليها حتى تعلَّقَتْ قلوبهم بالآخرة وبالعرش كأنهم رأي عين.

عن عمرو بن عوف الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه إلى البحرين يأتي بجزيتها، فقدم بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فَوَافَوْا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف فتعرضوا له فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم ثم قال: “أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَحْرَيْن”، فقالوا أجل يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: “أَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُم كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ”[2].

وما يتنافس في حظوظ الدنيا فيتهافتُ تهافُتَ الفراش في النار إلاَّ القلبُ، ولا يُهْلِكُ ابنَ آدم حين يَهْلِكُ إلاَّ عملُ القلب، وما كان موضوعًا للتغيير الذي جاءت به النبوة غيرُ ذاتِ القلب، وما حَرَصَ الرؤوف الرحيم صلى الله عليه وسلم في ذاتِ كل مؤمن إلاَّ على سلامةِ وزكاةِ وعافية هذا القلب.

[1]- متفق عليه.
[2]- متفق عليه.

وسوم

مواد ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق