بين الدنيا والآخرةمكتوبات

بين الدنيا والآخرة |12| فتوى القلب

إننا كثيرًا ما نُعَضِّدُ أفكارَنَا بالآيات البينات نؤصِّلُ بها زاوية نظرنا إلى الأمور ومَنْهَجَنا في التفكير وحركتَنا في الميدان، غير أن هذه النظرة وهذا المنهج وهذه الحركة إن لم يُفْتِ فيها قلبٌ حيٌّ مُتَزَكٍّ منتسبٌ إلى الحق واصلٌ بصدق وَجِلٌ قاطعٌ حبالَ الحظوظ الدنيوية الأخطبوطية ما بينه وبين نفسه طالبٌ وجهَ الله والدارَ الآخرة فإنه يفتي فيها الظَّنُّ والهوى والرغبات والمصالح.

روى الإمام أحمد والدارمي عن وابصة بن معبد رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ”؟ قلت: نعم؛ قال: “اِسْتَفْتِ قَلْبَكَ؛ اَلْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ”.

نعم، يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك وسلم؛ فكيف حال هذا القلب الذي يخفق بين جَنْبَيَّ لأطمئن إلى سداد فتواه؟

هل حُشِيَ إيماناً كما حُشِيَ ذلك القلب المأذون له بالفتوى من جناب النبوة أم نُكِتَ بالسواد أعاذنا الله؟

وهل تعرَّضتُ أنا لأنوار الهداية المحمدية كما تعرَّض هو فأُخْلِصَ قلبي وصفا كما أُخْلِصَ قلبُه هو وصفا أم إنني لم أجدْ لي إلى ذلك مِنْ وَلِيٍّ مُرشد؟

هذا إن استحضرتُ شأني الخاصَّ بي الذي ألقى عليه ربي يوم القيامة فرداً، فكيف إن طَلَبَت الأمةُ فتوىً لشأنِها العظيم وأمرِها الجسيم؟

أيُّ القلوب مأذونٌ له بالفتوى أو مأمور بها؟

أهو القلب الْمُعْرِضُ عن ذكر ربه الساجد للفانية، المتوكل على التدبير القاصِرِ، الخاشعُ للهوى الْمُرْدِي، الْمُسَلِّمُ لحكم الهوى والطاغوت؟ أم هو القلب الْمُتَعَرَّضُ لنفحات الله، الْمُشْبَعُ المشعُّ بنور الله، اللاهِجُ بحمد الله، الذَّاكرُ المذكِّرُ بالله، المذكورُ في حضرة الله، القائمُ الراكعُ الساجدُ المتقَلِّبُ في الساجدين لله، المتعلقُ بالله، المتوكلُ على حول وقوة الله، الدالُّ بأمرِ ربِّه على الله، الخاشعُ من خشيةِ الله، الخاضعُ لجلال الله، الذي لا يخاف في الله لومةَ لائمٍ، المُسَلِّمُ لحكم آيات الله؟

إنه إن أفتى في الأمر قَلْبٌ خالٍ من ذكر الله ومن خشيته ومن التطلع إلى ما عنده أوشَكَتْ الآيات المحكمات التي نُزِّلَتْ لتمكين قلب ابنِ آدمَ في أرض العبودية لله أن تكون هي ذاتُها الآياتِ التي يُوسِعُ بها الموسِعون دنياهم ليُضيِّقُوا بها الآخرة، “وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ لَهِيَ ٱلۡحَيَوَانُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ”[1].

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]- العنكبوت 64.

وسوم

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق