بين الدنيا والآخرةمكتوبات

بين الدنيا والآخرة |13| “لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون”

يقول ربنا عزَّ وجل في سورة النور، نوَّرَ اللهُ قلوبَنا بذكره وآنَسَ أرواحَنَا بقربه:

“وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡ‍ٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُون”[1].

يستنبط البعض من هذه الآية الْبَيِّنَةِ أن شرط تَحقيقه تعالى لما وعد به المؤمنين من استخلافٍ في الأرض وتمكينٍ للدين وسيادةٍ للأمن بَدَلَ الخوف هو: “يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡ‍ٔٗاۚ”. كأنَّ ثَمَرَةَ العبادةِ الخالصةِ لله سبحانه وغايةَ معرفتِه ومحبتِه وجائِزَةَ التبتُّلِ إليه والقيامِ والسجودِ بين يديه تعالى هو الاستخلاف والتمكين في الأرض!

فهل هو جزاءٌ أَوْفى يستحق أن يَجْزِيَ به الحليمُ الكريمُ مالكُ الْمُلْكِ المؤمنين والدنيا كلُّها لو كانت تعدل عنده تعالى جناح بعوضة ما سقى منها الكافر شربة ماء[2]؟

“هَلۡ جَزَآءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ”[3]، فهل يُتَصَوَّرُ أن يكون جزاءُ المؤمنين الساعين إلى ذُرى الإحسان أقَلَّ من جناح بعوضة؟ هل يُتَصَوَّر هذا؟

“لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ ٱلۡحُسۡنَىٰ وَزِيَادَةٞۖ”[4]، فهل يكون جزاءَهم غَمٌّ وظلمة وَكَدَرٌ في دنيا فانية؟

عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَا شَبَّهْتُ خُرُوجَ ابْنِ آدَمَ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ كَمَثَلِ خُرُوجِ الصَّبِيِّ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مِنْ ذَلِكَ الْغَمِّ وَالظُّلْمَةِ إِلَى رُوحِ الدُّنْيَا”[5].

فكيف تكون الدنيا جزاءً للعابدين وما هي إلاَّ غَمٌّ وظُلْمة؟ وما طلبوا هُمْ غيرَ الآخرة دارًا، وما رَنَوْا إلى غير الله جارًا.

أمَّا آية سورة النور فالله تعالى أعلم بمراده فيها. لَكَأَنَّ فيها تذكيرًا بسُنَّةٍ من سُنَنِ الله في خلقه: إنه إذا قامت في الناس أُمَّةٌ من المؤمنين حق الإيمان العاملين للصالحات فإنه تعالى يستخلفهم ويُمَكِّنُ لهم بعد استضعاف ويُؤْمِنُهُم من خوف. وحينها لا حُجَّةَ لهم بَعْدُ إن لم يعبدوه حق عبادته ولم يعرفوه يقينَ معرفته. ولا مَزِيدَ بل الحِرْمَانُ الْمُرُّ إن لم يشكروه على نعمائه. ولا عُذْرَ لهم إن أشركوا به شيئا من حظوظهم. ولا شفيع لهم إن نَسَبوا النصر والتمكين إلى أنفسهم وجُهدهم وحيلتهم وحولِهم وقوتهم وحِنْكَتِهم وتخطيطهم وتدبيرهم. فمن فعل فقد كفر بنعمة الله الملك الوهاب. ومن كفر بنعمة الله “فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُون”[6].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]- آية 55.
[2]- روى الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ”.
[3]- الرحمن 60.
[4]- يونس 26.
[5]- “بشرى الكئيب بلقاء الحبيب” للإمام السيوطي.
[6]- النور 55.

وسوم

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق