بين الدنيا والآخرةمكتوبات

بين الدنيا والآخرة |14| مِن ضيق الدنيا إلى سَعَة الآخرة

ليت كلَّ تالٍ كلامَ الله تعالى قارئٍ سيرةَ الصحب الكرام، حالِمٍ عاجزٍ مُتَمَنٍّ ساكنٍ مُتَشَوّفٍ آمِلٍ مِنْ بُعُدٍ أن يتمثَّل له الناسُ جيلاً قرآنيًّا، يُرَشِّحُ نفسه ليكون من الخلْقِ الجديد المتجدد المجدِّد لذلك الجيل القرآني العظيم فهمًا وعملاً وسلوكًا ومسارعةً واستباقًا وفرارًا إلى الله تعالى.

لنقرأ من آيات الله البينات نسخةً بشريةً هي عَيِّنَةٌ من صنعة النبوة وثمرةٌ من زرع خيرِ الزُّرَّاع:

“أرسل سعدُ بن أبي وقاص قبل القادسية ربعيَّ بن عامر رسولاً إلى رستم قائد الجيوش الفارسية وأميرهم، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق والزرابي والحرير وأظهر اليواقيت واللآلىء الثمينة العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب. ودخل ربعي بثياب صفيقة وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبَها حتى داس بها على طرف البساط ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه وبيضته على رأسه، فقالوا له: ضع سلاحك، فقال: إني لم آتكم وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت. فقال رستم: ائذنوا له. فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق لخرق عامتها. فقال رستم: ما جاء بكم؟ فقال: “الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سَعة الدنيا والآخرة”[1].

رسالةٌ واضحةٌ مباشِرةٌ ولكنَّ لها معنًى عميقًا، ومبعوثٌ بسيطٌ لا يملك من الدنيا إلاَّ ما عليه من ثياب وما تحته من مركوب ولكنه يتحدث بقلب مُسْتَغْنٍ بالله مُسْتَعْلٍ بالحق متعلِّقٍ بالدار الآخرة لا يلتفت إلى مظاهر تَرَفٍ داسه بقدميه. وهو مدرك تمام الإدراك للمهمة العظيمة التي ورثها عن نبيه صلى الله عليه وآله وسلم: التجديد الوَفِيُّ للمعاني والمعارف التي قام عليها هذا الدين من أول يوم، واستقامةٌ قاصدةٌ على المنهاج النبوي العظيم لا زَيْغَ ولا التفاتَ والدنيا داعيةٌ مداعِبَةٌ مُقْبِلَةٌ مُشْرِعةٌ أبوابَها مُفَتِّحَةٌ كنوزَها وخيراتِها مُسْلِمَةٌ مقاليدَهَا مُسْلِسَةٌ قِيادَهَا للفاتحين البسطاء العظماء.

فأما إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده فهو دلالة على رب عَلِيٍّ عظيمٍ رحيم حليم كريم عبدوه وعرفوه وأحبوه ووحَّدوه. وليس في هذا الإخراج إكراهٌ لِمَنْ يدعون، بل هو كُرْهٌ كُتِبَ على حامل دين الله إلى الناس وتحمُّلٌ في ذاته سبحانه وحِرْصٌ يجده الداعي في قلبه يكاد يذهب بنفسه حسراتٍ على المحرومين من رحمة الله.

وأما إخراج الناس من جَوْر الأديان إلى عدل الإسلام فهو إنقاذهم من سلطان البشرِ القاصرِ مهما تطاول في جبروته، ومِنْ عَمَى الجاهلِ مهما ادَّعى العلم، ومن جَوْرِ الظالمِ مهما تَحَرَّى العدل، إلى سلطان السميع البصير العليم بمن خلق وهو اللطيف الخبير.

وأما إخراجهم من ضيق الدنيا إلى سَعة الدنيا والآخرة فهو أشبه بعملية توليد: يخرج المولود من بطن أمه كارها مستصرخا وهو لا يدري أنه يخرج من ضيق إلى سَعة ومن كَدَرٍ إلى صفو ومن ظلمات إلى نور.

وما نسبة الدنيا، وهي لا تساوي عند الله تعالى جناح بعوضة، إلى الآخرةِ وعرضُ الجنة فيها كعرض السماوات والأرض؟ وهل الدنيا أَكْثَرُ من محطة مؤقتة لوظيفة عابرة، وعصاً يتوكَّأُ عليها العبد الْمُدْلِجُ ليبلغ المنزل؟

لو كان التمكين في الأرض سَقْفَ غايةِ هذا الدين لقبل صلى الله عليه وسلم عرض قريش إذ عرضوا عليه الملك والمال والجاه، ولكفى نفسَه صلى الله عليه وسلم وأصحابَه سنواتٍ طويلة من الْجَهد ومن العنت ومن الأذى ومن الدماء؛ ولكن النبي المؤيد بالوحي رأى غير ذلك: “وَاللهِ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي وَالْقَمَرَ فِي يَسَارِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللهُ أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ مَا تَرَكْتُهُ”[2].

كانت غاية النبي صلى الله عليه وسلم من أولِ ما قيل له “اِقْرأْ” أنْ يُعَرِّفَ الناس إلى ربهم ويحببهم فيه ويُعَبِّدَهُم إياه تعليمًا وتزكيةً. وَتَمَكُّنُ الإيمان من القلوب لا يتحقق بقوة السلطان وبريقِ المال وهيبة الجاه إن لم تَخْضَع هذه القلوب لعملية تطهير وتزكية تستلزم علمًا وجهدًا وصبرًا من الْمُزَكِّي ووقتا لتظهر ثمرةُ التزكية واستعدادًا وإرادةً لدى المتزكي وتوفيقًا ربانيا قبل ومع وبعد كل شيء. وقد كان جيل البعثة صفوةً استجابت واهتدت وآمنت وأحسنت وبذلت نفسها وأموالها في مقابل الغاية العظيمة: طلبِ وجهِ اللهِ والدارِ الآخرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]- البداية والنهاية لابن كثير 7/39.
[2]- سيرة ابن هشام.

وسوم

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق