بين الدنيا والآخرةمكتوبات

بين الدنيا والآخرة |15| جيل قرآني جديد

رحم الله الفقيدة الراحلة خديجة عطري، من كانت سبباً في إنشاء هذا الكتاب وفي تعطير هذه الكلمات بذكر خاتم الرسل وتاج الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم، وبذكر خير القرون، من صحبوا خير مصحوب ونهلوا من أعظم منهل وتزودوا لآخرتهم بحب أحب محبوب عند ربه. جزاها ربُّها عز وجل بما كان يحمل قلبها الكبير من هَمٍّ لكل مهموم ولكلِّ حاملِ هَمٍّ، ومن حرص على كل حريص على دعوة الله، ومن حسرةِ نفسها الكبيرة على ضعف جسد أَنْحَلَه طلبُ المراد الأعظمِ أكثرَ مما أنْهَكَه المرض العضال.

رحمها الله وأسكنها الفردوس الأعلى، ورزقنا وإياها معية النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وثبَّتَنا على العهد حتى نحوز ما حاز الصادقون والصادقات، وأسأل الله تعالى التوفيقَ والسدادَ والبركةَ والتيسيرَ والإخلاصَ في هذا الحديث، بين الدنيا والآخرة، عن عَيِّنَةٍ مِمَّا يُخَرِّجُ هذا الدينُ القيمُ من أهل الآخرة في كل زمان، أُنْمُوذَجِ التربية المهتدية بهداية القرآن المنتسبةِ إلى نور النبوة.

فازت القرون الأولى بالصحبة المباشرة للداعي إلى الله وبتزكية النبوة إذْ وصفها صلى الله عليه وسلم بأنها “خير القرون”، وإذْ لم يَطُلْ عليها الأمد في “شأن” يُنسيها اللهَ والدارَ الآخرةَ، ورَطُبَتْ بذكر المحبوب ألسنتُها فلم تَقْسُ قلوبُها واهتدت بنور الله واعتصمت بحبل الله حتى إنها لَتَنْفَحُكَ من ذلك العبير الطيب وأنت تَتَشَمَّمُ ذِكْرَهَا الزكي من آثارها الخالدة.

أَفْرَدَ شهيد القرآن رحمه الله ورضي عنه فصلا في آخرِ كتبِه: “معالم في الطريق” سماه: “جيلٌ قرآنِيٌّ فريد”.

يقول رحمه الله:

“لقد خرَّجت هذه الدعوة جيلا من الناس -جيلَ الصحابة رضوان الله عليهم- جيلاً مميزًا في تاريخ الإسلام كله وفى تاريخ البشرية جميعه. ثم لم تعد تخرج هذا الطراز مرة أخرى. نعم وُجد أفراد من ذلك الطراز على مدار التاريخ، ولكن لم يحدث قط أن تجمَّع مثل ذلك العدد الضخم في مكان واحد كما وقع في الفترة الأولى من حياة هذه الدعوة. هذه ظاهرة واضحة واقعة ذات مدلول ينبغي الوقوف أمامه طويلاً لعلنا نهتدي إلى سرِّه”[1].

رحم الله شهيد القرآن وأجزل له المثوبة ورفعه في مقام الشهداء أعلى الدرجات آمين.

إننا ننظر إلى خيرِ القرون نظرة محبة وإجلال وتعظيم يُضحي معها ما أنتجته الصناعةُ النبوية التي باشرها صلى الله عليه وسلم بيديه وتحت عينه تحفةً “فريدةً” في التاريخ لا تتكرر، ويسمو ذلك الجيل العظيم بنظرتنا هته من شدة صفائه ولطفه إلى درجة يغدو بها نوعًا من الْخَلْقِ أقرب إلى الملائكة منه إلى البشر لا تتطرق إليه صفة البشرية التي خلقه الله عليها ولا يسري عليه ناموسها وقانونها وأحكامها! حتى إذا وَرَدَ في الخبر من سيرة ذلك الجيل ما هو من صميم وطبيعة بشريته ترى عينَ الرّضا منَّا تدافع -ربما نَتَكَلَّفُ في هذا تكلُّفًا- بما ليس مطلوبًا للدفاع عمن نفخ الله من روحه في مائِهم والطينِ، فَهُمْ بهذا يكتالون بمكيال الصواب والخطإ معًا. ولا ينقص من قَدْرِ الجيل الذي رحمه ربُّه وختم عليه بخاتم الصنعة النبوية أن تشوب بشريتَه شوائبُ -وما خلقهم إلا لذاك- لا يُستثنى منها إلا المصطفَوْنَ الأخيار عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.

لقد جعل الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم نموذجا للإنسان الكامل الذي أكمل الله به الدين وأَتَمَّ به النعمة وتَمَّمَ به الْخُلُقَ الإنساني، وجعل سبحانه أصحاب حبيبه صلى الله عليه وسلم قدوةً لنا وأسوةً نقيس على مجموعِ أخلاقِهم -وهم الصنعة النبوية الخالصة- حظَّ نُفُوسِنا من التربية الإيمانية ودرجتها في الكمال الإحساني. بَيْدَ أننا إن انحجبنا عن المؤمنين والمؤمنات إخوانِ وأَخَواتِ النبي صلى الله عليه وسلم، من فازوا بأُخُوَّته صلى الله عليه وسلم مِنْ بعده وَوَرَدُوا ماء الصحبةِ ميراثِ النبوة كابرًا عن كابر ويسلكون مع الصحابةِ الْمَسْلَكَ ذاتَه في التربية وفي البناء، ويهتدون بمعالم الطريق نفسِها وينهلون من المنهلِ النبوي عَيْنِه فإننا ربما نسقط -بغير قصد- في الشك في اليقين الغيبي الذي نَبَّأنا به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينَها وأنه سبحانه يختم أَمْرَ هذه الأمة على منهاج ما ابتدأها به من النبوة. وإن الذي خَرَّج من مدرسة النبوة ذلك الجيلَ القرآنِيَّ “الأول” لقادر سبحانه أن يُخَرِّجَ من ميراث النبوة أجيالاً قرآنية جديدة على منهاجِ المدرسة النبوية ذاتها. وليس هذا الكلام اعتدادًا بغير ما أنبأنا به الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم من كَلِمِهِ الصادق، ولا يقينًا إلا في بشارة الغيب التي فاز من صَدَّقَ بها وتعرَّض لنفحاتها.

وبهذه النظرة لا نمسي ونحن نَحْصُرُ الفضلَ في جيل قرآني “فريد” لا أمل في صناعة جيل جديد على مثاله، بل نصبح بإذن الله تعالى وبفضله إزاءَ خَلْقٍ جديدٍ متجدد من الجيل الأول ونسخةٍ مختومةٍ بالخاتم النبوي الشريف المبارك الخالدِ ذاتِه. فإنْ رَأَينا مِنْ بشريةِ مَنْ نخالطهم من المؤمنين ومن المؤمنات بَعْضَ هَفَواتٍ فلا نَحْجُبَنَّ أعينَنا عن كل الخير الذي فيهم كأنه ما كان في الجيل القرآني الأول من يفرح المولى تبارك وتعالى بتوبتهم إذْ يُخطئون فيستغفرون فيغفر لهم! وإنه لا يَسْلَمُ من شطط النفس ومن قِصَرِ النظر إلى جواهر المؤمنين والمؤمنات إلا الْمُخْلَصون المرحومون الْمُعَافَوْن. وشتان شتان ما بين الحكمة النبوية الرحيمة التي يُرْزَقُهَا العلماء الحكماء وارثو الأنبياءِ والتي تعالج الأمر بنور الوحي فتستحضر تاريخَ المؤمن والمؤمنة وعطاءَهما وغناءَهما وسابقتَهما وتتجاوز عن السّقطة العارضة وبين المنطق القاصر الذي يقتطع الهفوةَ من السياق وينفخ فيها مِنْ كِيـرِهِ يُضَخِّمُها ويحكم على البناء كله بالخراب!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]- معالم في الطريق، ص: 15/16 الطبعة الثانية ديسمبر 1966، مطبعة الرسالة.

وسوم

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق