رسالة الفنمكتوبات

رسالة الفن |1| تقديم

تقديم

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد وآله الطيبين وصحابته الأكرمين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد، فأضع بين يدي القارئ والقارئة ما به أسعد إن تقبله مني المولى تعالى، وإن دُعِيَ لي بظهر الغيب بخير، وإن صَلُحَ أرضية للحوار في شأنِ ما يملأ الدنيا ويشغل الناس من أمر “الفن”. ولئن كان في طرح موضوع “الفن” مُجَرَّداً صعوباتٌ جليلة فإن في طرحه في سياق الحديث عن مشروع تغييري شامل أصيلٍ وعمل حركي جماعي راشد لَهُوَ أشد صعوبةً وأَجَلُّ معالجة.

والكتاب أَخُصُّ به الذين يمارسون في الميدان والحاجة مُلِحَّةٌ إلى معالِمَ مِنْ تَصَوُّرٍ وفهم للمنطلقات والأسس، وتمييزٍ بين الوسائل والأهداف والغايات، وأخص به الذين لا يزالون في ريب من أمر “الفن” ومن ضرورته في بناء الدعوة، وأخص به مَنْ يرون في تأسيس عمل فني امتدادٍ لحركة تغييرية أو جناحٍ من أجنحتها “بِدْعَةً سياسية” لم يعرفها تاريخ الحركات التغييرية والسياسية!

وهؤلاء كلهم يجمعهم، ولا شك، جامع الرغبة في التبليغ عن الله والدنيا تموج بألوان الغفلة كما لم تَمُجْ من قبل.

ولهذا السبب لا تجد في هذا المكتوب استمداداً من منبع غير منبع الْوَحْيَيْن: كتابِ الله وحديثِ النبوة. وليس يوجد أصفى وأعذبُ منهما لظامئ متلهف.

وقد كان لاحظ أحد الأصحاب أن الكتاب ينقصه الاستشهاد بمقولات الحكماء والمفكرين والفلاسفة والمتنورين على مدى التاريخ لتكون للكتاب القوة المعنوية اللازمة لأخذ مضمونه بقوة. كأن “قال: الله” و”قال: رسول الله” لا تُشْبِعُ نَهَمَ من غُذُّوا بـ: “قال: أرسطو” و”قال: أفلاطون” و”قال هيجل”!

“يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ”[1].

وكيف نَحْيَى بالكتاب وكيف نأخذه بقوة إن كنا عن كمال بيانه تائهين وعن فصل خطابه محجوبين؟

كيف لا نستغني بالوحي و”مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَاِبِ مِنْ شَيْءٍ”[2]؟

لو كان المخاطَبُ هنا كافراً بالآيات أو جاحداً بالنبوة أو تائها عن الحق الأثيل أو مُدَارِياً مستعيضا عنه بخبط البشر لكان لهذا المكتوب شأن آخر؛ ولكنه تذكرة لمن يرشحون أنفسهم لحمل آيات الله وميراث النبوة يترجمونهما إلى الناس بلغة الفن التي أضحت لسان هذا الزمان الأفصحَ.

ولو كان هذا المكتوب دراسة أكاديمية مُقَارِنَةً بين نظرة الدين وبين نظرة المذاهب والفلسفات لَحُشِيَتْ حواشيه بمئات المراجع يخرج القارئ من أدغالها بصيد أو لا يخرج. مع التحفظ الشديد على مبدإ مقارنة خبط البشر الضعيف الفاني بنور اللطيف الخبير الذي لا يُعلى عليه.

“الحكمة ضالة المؤمن، أينما وجدها فهو أحق بها”[3]، نعم، فهو صلى الله عليه وسلم يوصينا أن نأخذ بالحكمة أينما وجدناها، لا يحجبنا حالُ القائل عن القول: “الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه”[4]. وتعبير: “أينما وجدها” يوحي بأنه ربما وجدها في ما لا يتوقع من مَواطن: مرميةً على قارعة الطريق تتقاذفها الأقدام لا تلقي لها بالا؛ أو يلفظها فم مجنون، أو تَخْلُصُ إليها خبرة كافر بالله ورسوله التقطها فيما يُلتقط من الفضاء الذي يُفْتَحُ لمن تحت قبته صالِحين وطالِحين. فإنْ تَتَبَّعَ آثار هذه الحكمة في الأزقة والطرقات أو تلقَّفَها من أفواه المجانين أو من مستخلصات التجارب الإنسانية ونسي منبعَ الوحي وموطنُه لديَّ ولديك ولديه معلوم معلوم، أو إن لم يُغْنِه الْمَعِينُ الصافي أو لم يستطعم عُذوبتَه فهو كما قال المتنبي:

وَمَنْ يَكُ ذَا فَمٍ مُرٍّ مَرِيضٍ       يَجِدْ مُرّاً بِهِ الْمَـاءَ الزُّلاَلاَ

وكيف يكون للحكمة قيمة إن لم نَزِنْهَا بميزان الوحي الشريف لنعرف إن كنا -نحن المؤمنين- أولى بها من غيرنا؟ أم إن “الحكمة ضالة المؤمن” خاتم نختم به على الضَّالَّةِ والضَّلاَلَةِ سواء؟!

الوحي نور، قرآنُه والحديثُ، فمن أضلُّ مِمَّنْ فتح عَيْنَيْ قلبه وعقله على بعضِ ما يحسبه جذوة من نورهما فإذا هي نار تحرق اليقين وإسفينٌ يخرق الدين وضلالةٌ تُغْرِقُ في طوفان الضلال المبين؟ والعياذ بالله ربِّ العالمين.

الوحي نور، به تُعْرَفُ الضالَّةُ من الضلالة، فمن استدرج هذا النور بين جنبيه وَحَرَّكَ به ما بين لَحْيَيْه واتخذه سائقاً وقائداً ودليلاً ونورا هاديا وسَلَّمَ تسليماً فهو مُتَّبِعٌ على نور وداعٍ على بصيرة وبالغٌ الْمَنْزِلَ بإذن ربه.

ولا أقصد بالوحي ما تُجَمِّدُه قسوة القلب ويُقَزِّمُه قِصَرُ الفهم وتُفْتِي فيه الأهواء، بل أقصد النور الذي يُحْيِي القلوب العامرة بذكر الله، المتواضعة لجلال الله، المسلِّمةَ قيادها لأمر الله، المتعرضةَ لنفحات الله، السالكةَ منهاجَ رسول الله تحت ظلِّ نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، الواردَةَ حوض العلم الشريف الموروثِ بالسند الأصح. فبذلك النور تَمِيزُ الخبيثَ من الطيب، وتعرف الضالَّةَ من الضلالة.

على أنني أُذَكِّرُ، من باب التوثيق، أن بذرة هذا الكتاب كانت رسالة من بضع وعشرين صفحة خاطبت بها إخوة الدرب في الرابع من شهر فبراير من سنة 2001م، وكنت سميتها إذ ذاك: “رسالة إلى أهل الفن”، وعززتها بَعْدُ ببعض ما نشرت من مقالات تفتل في حبلها. ثم يسَّر المولى تعالى إتمام ما يقرأ القارئ عصرَ الأربعاء 27 صفر الخير 1424 هـ/ 30 أبريل 2003 م.

على أن هذا المكتوب دعوة لكل من يعنيه أمر الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة أن نستنير بنور الوحي ليكون لنا حظ وافر من نفحات “يَآ أَيُّهَا النَّبِيءُ إِِنّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً”[5].

والأمر بيد الله، والحول والقوة بالله، والتيسير معقود بمشيئة الله، والرضا والقبول ضمانهما حسن الظن بالله، والحمد والشكر لله رب العالمين.

محمد العربي أبو حزم

ليلة الجمعة 20 جمادى الثانية 1428 هـ

6 يوليوز 2007 م.

[1] – مريم/ 12.
[2] – ……………………………
[3] – ………………………………
[4] – ………………………………

[5] – الأحزاب- 45/46.

وسوم

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق