رسالة الفنمكتوبات

رسالة الفن |2| الفن والدعوة

الفنُّ سَمْتٌ حَسَنٌ في القول والفعل والحال، وذوقٌ رقيقٌ راقٍ في الاختيار والأسلوب، وتفاعل إيجابي مع الكينونة الكونية التي أبدعها البديع الجميل وأسبغ عليها من جماله سبحانه ما لا يملك الإنسان أن يقول أمامها إلا: الله.

الفن دعوةٌ للحب، ودعوة للتأمل في الآفاق وفي الأنفس بقلب متنور وعقل متدبر وإحساس مرهف وذائقة راقية. والدعوة فنُّ الحياة والتعبير والتواصل والتأثير والتغيير.

الفن استدلال على المبدع الجميل بما بثَّ في الآفاق وفي الأنفس من حلل الجمال.

الفن ليس رسالةً، بل هو الوعاء الحامل لهذه الرسالة. غير أن لطبيعة هذا الوعاء تأثيراً على طبيعة محتواه.

إن الله تعالى إذْ يدعونا إلى التدبر في كتابه المقروء وكتابه المنظور‎‎‎‎ تدبرا حيا، فإن من أولى أولويات الفن أن يكون سلكا مُوصِلاً لهذه المعاني وجسراً مأموناً عليه بين قلوب الناس من جهة وبين المنظور والمقروء من جهة ثانية.

إن على الفن أن يكون عنصرا أصيلا في نفس الإنسان الذي نَنْشُدُهُ وفي تفكيره وسلوكه وبِيئته بقدر ما هو عنصر أصيل من عناصر هذا الكون الذي نحيى فيه. بهذا تتناغم حركة الإنسان مع حركة الكون لِيَعْزِفَا معاً لَحْنَ العبودية الخالد.

الفن!

هذه اللفظةُ الحالمةُ المنسابةُ من النفسِ وأغوارِها.. المتسللةُ عبر مساربها ومنعرجاتها.. السابحةُ في كونٍ غير محدود من السحر والخيال.. الحاملةُ لآلام وآمال هذا الإنسان..    

والحرية!

هذه الكلمة البراقة الساحرة، التي سعى الإنسان مُذْ خَلَقَه الله تعالىَ إلى تحويل كل حرف من حروفها إلى عوالم من الانطلاق لا تعرف الحدود والقيود والسدود..

الفن والحرية!!

هذا الشعار الجميل؛ هذه التركيبة الكيميائية المزدوجة التي تُحْدِثُ باتحاد وانسجام وتفاعل عُنْصُرَيْها أعظمَ ما يُخَلِّدُ الإنسانَ، أو أخطر ما يبدد الإنسان!! 

نريد أن يكون الفنُّ لساناً من ألسنة الدعوة فصيحاً، ويداً من أياديها قويةً فاعلةً بنَّاءة؛ أفلا تكون الدعوة بهذا رَمْساً لكل إبداع أصيل، وقيدا مُقَيِّداً لكل فن جميل؟!

كيف تلتقي الدعوة وهي عنوان الالتزام والانضباط، مع الفن وهو رمز الحرية والانطلاق؟

كيف هي نظرةُ الدعوة إلى الفن؟

أهي نظرةٌ لأصلٍ أصيل فيها، ومعنىً مكين منها؟ أم هي نظرة جندي أعزل لسلاح فتاك في معركة طارئة؟!

أهي نظرةٌ إلى رسول نُحَمِّله رسالتنا إلى الناس يبلغها إياهم بوجه صبوح ولسان فصيح؟ أم هي نظرة إلى عابر سبيل تقاطعت طريقنا مع طريقه في نقطةٍ ما ولحظةٍ ما ثم مضى كل إلى غايته إلى غير تلاقٍ؟!

وما غايتنا وما غاية الفن إن لم نلتق على غاية سامية من أجلها خُلقنا؟!

كيف تكون علاقة الدعوة بالفن؟

أتكون علاقة توظيف لآلة تُخْرِجُهَا الضرورةُ من كهوف الحرام أو المكروه، أو اللغو أو اللهو إلى ساحة الميدان لتؤدي، في حدود ضيقة، دوراً مؤقتاً تعود بعده إلى كهوفها في انتظار حَيْعَلَةٍ ثانية وثالثة ورابعة؟!

أسئلة من هذا النوع لابد أن يساهم الجوابُ عنها في إثارة الانتباه لهذا الموضوع الخطير؛ لأن دعوةً لا يمثل الفن عنصرا أصيلا من عناصرها لا تستحق أن تستوعب أو تحتضن بين أذرعها نفائس أرواح الناس، بل لا تستطيع!

فأنَّى لنا بالجواب؟

وسوم

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق