رسالة الفنمكتوبات

رسالة الفن |4| في حرم الله، وبين يدي رسول الله؟!

روى الترمذي عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ يَمْشِي وَهُوَ يَقُولُ:

خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ  سَبِيلِهِ             

الْيَوْمَ نَضْرِبْكُمْ عَلَى  تَأْوِيلِهِ

ضَرَبًا يُزِيلُ الْهَامَ  عَنْ  مَقِيلِهِ              

وَيُذْهِلُ  الْخَلِيلَ عَنْ  خَلِيلِهِ

فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا ابْنَ رَوَاحَةَ، بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي حَرَمِ اللهِ تَقُولُ الشِّعْرَ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “خَلِّ عَنْهُ يَا عُمَرُ، فَلَهِيَ أَسْرَعُ فِيهِمْ مِنْ نَضْحِ النَّبْلِ”.

وفي رواية أخرى للنسائي قَالَ عُمَرُ يَا ابْنَ رَوَاحَةَ: فِي حَرَمِ اللهِ وَبَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ هَذَا الشِّعْرَ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “خَلِّ عَنْهُ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَكَلاَمُهُ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ وَقْعِ النَّبْلِ”.

خاصيتان عظيمتان من خصائص المشروع الفني تمنحنا إياهما روايتان اثنتان لحديث نبوي واحد:

الأولى: السرعة في الانتشار.. “أَسْرَعُ فِيهِمْ”.

الثانية: الفاعلية في التأثير.. “أَشَدُّ عَلَيْهِمْ”.

وقد جاء كعب إلى النبي فقال: يا رسول الله، ماذا ترى في الشعر؟ فقال رسول الله: “المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه”[1].

قال النبي صلى الله عليه وسلم “جاهدوا المشركين بأيديكم وألسنتكم وأموالكم”[2].

وكان صلى الله عليه وسلم يدعو لحسان: “اللهم أيده بروح القدس”. وقال: “إن جبريل معك مادمت تنافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم”. وقال: “هي أنكى فيهم من النبل”. وكان عدد من المشركين يكفون عن أشياء ممن يؤذي المسلمين خشية هجاء حسان، حتى إن كعب بن الأشرف لما ذهب إلى مكة كان كلما نزل عند أهل بيت هجاهم حسان بقصيده فيخرجونه من عندهم، حتى لم يبق له بمكة من يؤويه .

وروى البخاري ومسلم في الصحيحين قول النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: “اهجهم أو هاجهم و روح القدس معك”.

وورد عن الزهري قال: حدثني عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن كعب بن مالك قال: يا رسول الله ما ذا تقول في الشعراء؟ قال: “إن المؤمن مجاهد بسيفه و لسانه، والذي نفسي بيده لكأنما تنضخونهم بالنبل”.

وأُنشد يوماً بيتُ طرفة:

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً

ويأتيك بالأخبار من لـم تـزود

فقال صلى الله عليه وسلم: “هذا من كلام النبوة”.

لا نستطيع أن ننشر كلمتنا بالسرعة والفاعلية المطلوبة إلا إن ضاهينا بحركتنا وتيرة حركة الميدان الفني؛ وأنَّى لنا أن نقيس حركتنا إزاء حركة الميدان إن كنا عنه غائبين وبأهله غيرَ متواصلين؟!

ولن نكون حاضرين في الميدان إلا بثلاثة شروط:

أ- أن نوظف من الأشكال التعبيرية والأساليب الفنية الـمشروعة ما يثير آذان الناس وقلوبهم إلى مضموننا كما يثير آذانهم إلى مضمون غيرنا.

ب- أن نطرق من الأبواب مثلما يطرق الناس، وأن نرتقي من المنابر مثلما يرتقون.

ج- أن نتميز بمشروع فني راقٍ وبأسلوب سامٍ سُمُوَّ أسمى غاية يسعى إليها العبد وهي رضا الله، وهي ما ينبغي أن نستحضر في كل حركة وسكنة لئلا تطحننا رحى العمل الميداني.

[1] – ابن عبد البر.
[2] – رواه النسائي وغيره.

وسوم

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انظر أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق