رسالة الفنمكتوبات

رسالة الفن |8| عوائق الحركة الفنية (4)

العائق الرابع: الأرحام الوانية

ربما نعلن صادقين أنْ لا غَناء لنا عن الفن؛ ونرفع، لهذا، الشعارَ تِلْوَ الشعار. فكيف نتجاوز “شِعَارِيَّة” هذا الإعلان إلى عمل ميداني منظم مثمر؟

لا يَسْلَمُ أي تجمع بشري، مهما كانت طبيعته وخصوصيته وقدسية الشعارات التي يحملها، من أن تَمَسَّ صفحتَه الناصعةَ الوضيئةَ شوائبُ هي من طبيعة أي تجربة إنسانية.

ننسى في كثير من الأحيان هذه الحقيقة، فنواجهُ أي عقبة تتحدانا بقلوب منقبضة وردود فعل متشنجة وعزائم مشتَّتة، وننسى أننا حَمَلَةُ رسالةٍ الصدقُ روحُها والصبرُ والمصابرة زاد مسيرِ أهلِها.

أرحام الدعوة:

ما العمل إن أصاب رَحِماً من أرحام الدعوة، وأتحدث هنا عن رَحِمِ الفنّ وهي “الوَدُودُ الْوَلُودُ”، ما يُضْعِفُ قابليتها لاحتضان “مشروع جَنِيـن” تَقَرُّ به عينا والديه؟

ما العمل؟

هل نُسَرِّحُهَا سراحاً جميلاً بدعوى أن رَحِمَهَا عَقِمَتْ عن أن تَزُفَّ إلينا بشارةَ مولود ينمو ويكبر تحت أعيننا يوما بعد يوم، ويخلق الله تعالى وينسب إليه ما شاء من فضله وكرمه ومِنَنِه؟ أم نحاول مراراً وتكراراً تلقيح نطفة أثبت الزمن أن الرَّحِمَ الذي رَجَوْنَا أن يحتضنها “ليس مهيأً طـِبِّيّاً” لذلك؟

العمل الميداني صعب، والحكمة إن خَلاَ منها هذا العمل كان أكثر صعوبة وأقل جدوى.

لِنُوَفِّرْ على أنفسنا عناء الجهود التي لا طائل من ورائها، ولنفتح في سُورِنَا فجواتٍ نوافذَ نطل عبرها على العالم “الخارجي”، نلتمس الحكمة تواصلا مع أهل الحكمة.

فجواتٌ لا تَمَسُّ أسس البنيان ولا تخرق في السفينة خرقاً محذوراً منه، بل تَتَحَسَّسُ فيه أماكن تحقق المطلوب دون خسائر.

عملٌ هو أشبه بعملية تلقيح فيما يُسمى: “أطفال الأنابيب”، ريثما يتهيَّأُ رَحِمُنَا “طِبِّـيّاً” لاحتضان جنينه في مكانه الطبيعي لينمو نموه الطبيعي ويقوم بدوره الطبيعي.

عمليةٌ لا يـمكن أن يقوم بها إلاَّ أطباء حكماء، لا يقطعون، على مدى هذه العملية، الحبل السُّرِّي بين الجنين وبين رَحِمِهِ الأصلي، وَيَبُلُّونَهَا بِبَلاَلِهَا…

الاختيار الثالث.. درس من الحديبية:

كيف يفعل من رزقهم الله في أنفسهم من مواهبه ما لا صبر لهم على كتمانه، في مكانٍ وزمانٍ وظروف تحتم عليهم الانقياد للخط الجماعي للدعوة؟

كيف نستوعب فنانين لهم الاستعداد لأن يكونوا سَنَداً للدعوة وخلفية ثقافية لها مع الشروط الصعبة التي تُرهق أهل الدعوة بَلْهَ المتعاطفين معها؟

يصعب على الفنان كَبْتُ طاقاته وتجميد عضو حيٍّ فاعل من أعضائه.. فكيف نجمع بين توظيف ما أنعم علينا ربنا به من طاقات وبين العمل في حركة لها رؤيتها ولها خطها الذي يقتضي الواجبُ الانقياد له؟

نفسُ الْقَدَرِ عاشه أبو بصير وأبو جندل.. ونفس القدر عاشه ويعيشه الدعاة المتلطفون إلى الناس.. بما يحب الناس.. بما يرضاه رب الناس..

روى الإمام البخاري عن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ من حديث طويل عن صلح الحديبية:

“… فَجَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ هَاتِ اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابًا فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَاتِبَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ” قَالَ سُهَيْلٌ: أَمَّا الرَّحْمَنُ فَوَاللهِ مَا أَدْرِي مَا هُوَ وَلَكِنِ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ وَاللهِ لاَ نَكْتُبُهَا إِلاَّ بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ” ثُمَّ قَالَ: “هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ” فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ وَلاَ قَاتَلْنَاكَ وَلَكِنِ اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “وَاللهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ” قَالَ الزُّهْرِيُّ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ لاَ يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلاَّ أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “عَلَى أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَنَطُوفَ بِهِ”. فَقَالَ سُهَيْلٌ وَاللهِ لاَ تَتَحَدَّثُ الْعَرَبُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً وَلَكِنْ ذَلِكَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَكَتَبَ فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَعَلَى أَنَّهُ لاَ يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلاَّ رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا، قَالَ الْمُسْلِمُونَ: سُبْحَانَ اللهِ كَيْفَ يُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا؟ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ سُهَيْلٌ: هَذَا يَا مُحَمَّدُ أَوَّلُ مَا أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيَّ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ”. قَالَ فَوَاللهِ إِذًا لَمْ أُصَالِحْكَ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “فَأَجِزْهُ لِي”. قَالَ: مَا أَنَا بِمُجِيزِهِ لَكَ قَالَ: “بَلَى فَافْعَلْ” قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ قَالَ مِكْرَزٌ بَلْ قَدْ أَجَزْنَاهُ لَكَ قَالَ أَبُو جَنْدَلٍ: أَيْ مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا؟ أَلاَ تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقِيتُ؟ وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِي اللهِ قَالَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: أَلَسْتَ نَبِيَّ اللهِ حَقًّا؟ قَالَ: “بَلَى” قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: “بَلَى” قُلْتُ فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: “إِنِّي رَسُولُ اللهِ وَلَسْتُ أَعْصِيهِ وَهُوَ نَاصِرِي”… ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ (رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ) فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ فَقَالُوا: الْعَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَةِ فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: وَاللهِ إِنِّي لأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلاَنُ جَيِّدًا فَاسْتَلَّهُ الآخَرُ فَقَالَ: أَجَلْ وَاللهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ ثُمَّ جَرَّبْتُ فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ وَفَرَّ الآخَرُ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَآهُ: “لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا” فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قُتِلَ وَاللهِ صَاحِبِي وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللهِ قَدْ وَاللهِ أَوْفَى اللهُ ذِمَّتَكَ.. قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ ثُمَّ أَنْجَانِي اللهُ مِنْهُمْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ” فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ الْبَحْرِ. قَالَ: وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ فَلَحِـقَ بِأَبِي بَصِيرٍ فَجَعَلَ لاَ يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلاَّ لَحِقَ بِأَبِي بَصِيـرٍ حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ فَوَاللهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّأْمِ إِلاَّ اعْتَرَضُوا لَهَا فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَـهُمْ فَأَرْسَلَتْ قُرَيْـشٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُنَاشِدُهُ بِاللهِ وَالرَّحِمِ لَمَّا أَرْسَلَ فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيـْهِ وَسَلَّـمَ إِلَيْهِمْ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: }وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ…{ حَتَّى بَلَغَ }… الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ{[1] وَكَانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِيُّ اللهِ وَلَمْ يُقِرُّوا بِـ: “بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ” وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْبَيْتِ.

كيف يفعل مؤمنون هم فينا كما كان أبو بصير وأبو جَندل في رجال الدعوة الأُوَل.. ومعاناة المؤمنين فينا كمعاناة أولئك ممن سبقونا بإيمان؟

وجد أبو بصير وأبو جندل مخرجا من المحنة التي لقياها وألهمهما الله حل معادلة صعبة ما أحوجنا اليوم إلى استلهام روحها:

 “… وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ فَجَعَلَ لاَ يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلاَّ لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ…”.

في فقرة “أرحام الدعوة” بَحْثٌ عن مُسَوِّغٍ منطقي لرؤية تريد أن تجمع بين الخطين الفردي والجماعي معاً.. مسوغٌ منطقي أَمْلَتْه التجربة والمعاناة.. غير أن في سيرة الحبيب صلى الله عليه وسلم وسيرة صحبه التأصيلُ الحركيُّ الكافي والدواء الناجعُ الشافي بإذن الله.

عقدت الدولة الإسلامية عهدا مع قريش أَحَدُ بنوده الأساسية يقضي بأن ترد كل  هارب بدينه من أذى قريش إلى مكة وإن كان مسلماً.. عهد رأى فيه المسلمون تنازلاً مجحفاً وهم على الحق..

كان المعلم الحبيب صلى الله عليه وسلم واثقاً من نصر الله.. يرى بنور الله.. وكان أبو بصير وأبو جندل العنصرين اللذين تم على يديهما حل المعادلة الصعبة..

فَمَنْ لنا اليوم بمثل أبي بصير وأبي جندل ليجد لنا حلا للمعادلة الصعبة التي تدوِّخ الرؤوس وتعتصر منها القلوب؟

إن الطاقات الفنية فينا، وأتحدث عن الفن خصوصاً، لا تستطيع تخيُّل نفسها، الآن، إلاَّ في أحد اختيارين:

الاختيار الأول- معسكر الدعوة: مع الشروط الذاتية والموضوعية الصعبة؛ شروط يصعب معها التأسيس لحركة فنية قوية وفاعلة، ويصعب معها توظيف الطاقات الفنية بالأسلوب الذي يمكن أن يدفع بالحركة الفنية وبالدعوة إلى غاياتها السامية..

الاختيار الثاني- معسكر الواقع: مع احتمال الذوبان في ناره في غياب حركة فنية قوية تعصم مما لا عاصم منه إلاَّ الله.

الاختيار الثالث فمعناه أن تكون حركتنا الفنية حكيمة في قيادة السفينة إلى مرفئها في أمان ودون خسائر؛ معناه أن تجتهد في مصانعة الواقع مصانعةً تحقق أهدافها مع الحرص الشديد الشديد على التمسك بثوابتها أَشَدَّ ما يكون التمسك وَأَوْثَقَ.

على حركتنا الفنية المرجوة أن تتمسك بالثوابت العامة تَمَسُّكاً يعصمها من الزلل الذي يمكن أن يخرق سفينتها بِخَرْقٍ محذور منه. وَلْنَعْلَمْ أن أخطر أنواع الخرق هو ما نخرقه نحن من سفينتنا، إذْ “عَيْنُ الرِّضَى عن كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ”. فلننتبه لهذا وإلاَّ.. “لَكَأَنَّكَ يَا أَبَا زَيْدٍ مَا غَزَوْتَ”…

ولنعلم كذلك أن ما فعله أبو بصير وأبو جندل رضي الله عنهما كان عملاً مؤقتا مَحْكُوماً بظرفه مُبَرَّراً بِعِلَّتِه؛ فلما تغيَّر الظرف وزالت العلة عاد الخط الفردي لِيَنْفَتِـلَ في حبل الخط الجماعي.   

إن مصانعة ومقارعة الواقع الفـني في بلداننا، في غياب حركة فنيـةٍ قويةٍ وفاعلـةٍ ومؤثـرةٍ تصوراً وعِلْماً ورموزاً وأساليـبَ، هو أشبه بمن يروم زعزعة جبل عن مكانه ببضع ضربات رأسيـة تُرْدِي صاحبها ولو بعد حين.

وإن كثيراً من الفنانين من أبناء هذه الأمة الطيبة لَيَنْتَظِرُون الفرصة السانحة المواتية والجو المناسب والرجال الصادقين ليكونوا حُداة القافلة النورانية في مسيرها ونجوماً يُقتدى بها فَيُهْتَدَى في لُجَجِ بحارها..

[1] – سورة الفتح- 24/26.

وسوم

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق