تحت ظل النبيمكتوبات

تحت ظل النبي |2| مقدمات (ب)

ما كنت أطمع مُبْتَدَأَ الأمر في أكثر من أن أستعين بشروح البردة على أمانة ترجمتِها من حروف الكَلِم إلى حَبَّات النغم؛ فلما وَضَحَ لي من غموض أساليب هذه الشروح وتَمَنُّعِهَا على الطالب ما وَضَحَ توكلت على المولى تعالى فوضعت لها شرحا كان إلى الأسلوب المدرسي أقرب.
ما حَفَزَنِي حَفْزاً في البداية لإعداد ما أعددت هو الرغبة في أن يصحب الألحانَ الجديدةَ التي صُغْتُها لِكَلِمِ البردة شرحٌ يواكب في جِدَّته ما حاولت تجديده من نغمها. ثم بدا لي بَعْدُ أن الأسلوب المدرسي الذي بَنَيْتُ عليه فكرة “شرحي” للبردة ما أتى -رُبَّمَا- بجديد نافع أكثر مما سبق إليه السابقون، فَتَدَرَّجَ بِيَ القلب والفكر إلى محاولة تَلَمُّسِ الجسر المأمون بين بردة البوصيري وبين أصلها من سيرة النبوة.
وكتبت إلى أخي الأستاذ الفاضل سيدي محمد منار بمداد ما جمع الله تعالى به بيننا من محبة فيه عز وجل، من ضمن ما كتبت:
“… والقصد من السلسلة هو محاولة بث روح جديدة في هذه التحفة العظيمة.. مجرد محاولة أدعو الله تعالى أن يباركها ويجعل لها في قلوب القراء قبولا وفي صحائف الرضوان عنده تعالى محلا.
“وقد تعلمت من نشر السلسلتين السابقتين[1] كثيرا مما دفعني لاقتراح السلسلة الجديدة لأبحر في موضوع وإن كان له نَسَبٌ إلى الفن والأدب، إلا أن له نَسَباً أقوى إلى السيرة النبوية العطرة…
“وأدرك جيدا أن من يرشح نفسه لـ”شرح” البردة إنما يرشح نفسه لخوض بحر لُجِّيٍّ يغشاه موج من فوقه موج لا أمان فيه لراكب إلا إن استنصر بالله واستعزَّ بصحبة أهل الله وأسند ظهره إلى الركن الشديد القوي المتين بإذن الله.
“ما أهَمَّني، سيدي محمد، إلا ما وَقَرَ في قلبي من أمنية أن أحوم حول رياض الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم عَلَّني أنال “لَمْحَةً” من حضرته الشريفة ولو مِنْ بُعُدٍ أشفي بها غليلي وأداوي عليلي.
“ما أهمَّني، سيدي محمد، إلا أن تكون لي في عمري القصير سويعاتٌ أقضيها في صحبة الحبيب الطبيب صلى الله عليه وسلم تكون لي سلوىً في دنياي هته، وحجة وشفاعة يوم أقوم بين يدي ربي أعالج بَعْدَ سكرات الموت أهوال الحساب.
“ما أهمَّني، سيدي محمد، إلا أن يكون لي من بركات النبوة شَذْرَةٌ كما لي ولك من اسم خاتمها نصيب…”.
فأجابني لسان الأستاذ الفاضل وروحه بكلمات رقيقة أيقظت في قلبي من المعاني ما لا يُغْبَطُ عليه إلا المستزيد..
قالت كلماته الحبيبة، فيما قالت:
“… أسأل الله عز وجل أن تنال مرادك، وأن يكتب الله لي معك نصيبا من تلك المطالب العالية الغالية. فالشقي أخي الكريم من انقطع عن نبيه العظيم، والسعيدُ السعيدُ من عاش في كنفه على الدوام، وذَكَرَهُ في كل وقت وحين. مطالبُ عزيزة ثمينة مفتاح نيلها صحبة السابحين في بحر العشق المحمدي، مفتاحها صحبة الأخيار من أمثالك. وفقني الله وإياك أخي العزيز لكل خير. آمين آمين”.
(أحببت أن أثبت الكلمتين هنا توثيقاً وذكرى).
فلما عزمت على النشر لَمَعَتْ في سماء النفس من كلمات الأخ الحبيب “منار” لُمَعٌ وأيُّ لُمَع؛ وما هو إلا أن صليت ركعتين لله تعالى أستخيره في أمر هذه البردة وأتضرع إليه سبحانه وهو الملاذ الذي لا يخيب قاصده ولا يحار طالبه حتى انقشعتْ سُحب الحيرة إذ ألهمني المنعم الكريم مفاتح ما أُغْلِقَ علي من قبل، وانجلى عن ناظِرَيَّ بفضله سبحانه ما كان يَحجُبُني عما كنت أروم مما أكتب مُبْتَدَأَهُ الآن ولا يزال خبرُه إلى حدود كتابة هته الأحرف في ضمير الغيب مستورا عني وعنك قارئي العزيز على السواء. ولا خوف من الخبر ولا عليه إن كان المبتدأُ قاصداً مُبَاركاً: فالكريم إذا بدأ تَمَّم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – “رسالة الفن” و”فرقنا الغنائية”.

وسوم

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق