تحت ظل النبيمكتوبات

تحت ظل النبي |3| مقدمات (ج)

أن تكون البردة حِلْيَةً في نسيج سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم تستدعي بِبَرِيقِها القارئَ إلى الأصل غَيْرُ أن تكون نسيجاً كاملاً يُذَيَّلُ بأهداب من شرحٍ لغامضِ مفرداتها ومضامينها.
أن تكون البردة مُتَّكَأً ومرتكزا ومنطلقاً للتأمل في سيرة أعظم وأنبل وأشرف وأكمل خلق الله عليه منه أفضل الصلاة وأزكى السلام أَوْلَى من أن تَحْجُبَنَا هذه القصيدة، على الرغم من رغبة صاحبها رحمه الله، عن مقصوده ومقصودي منها فَتُضْحِيَ الغايةُ وسيلةً والوسيلةُ غايةً.
أن تكون البردة “منظاراً” لتأمل الشخصية النبوية الكريمة في لَمَحَاتٍ (نظرات خفيفة) بِعَيْنَيْ محبٍّ أنْحَلَه شوقه للمحبوب وشاعرٍ رقيقٍ شَفَّهُ هيامه وصبابته وتَتَيُّمُه -وهو الذي صحب من صحب ورأى من رأى وذاق ما ذاق وعرف ما عرف وأدرك ما أدرك- خيرٌ من قاموسٍ مُنْجِدٍ على الطاولة وبضعةِ شروح يهرب إليها الشارح كلما أعياه البحث في معنَى مفردةٍ أو حَزَبَتْه إشاراتُ عِبارة.
أقول: غيْرُ أن وأولى من وخير من… أو هكذا بدا لي.
ولهذا السبب عَدَلْتُ عن أسلوبِ مَنْ يحاول شرح البردة -كأنما يهتف بالناس إلى المنهل العذب من بعيد- إلى حالِ التَّدَثُّر بها تحت ظل من لا يَسْعَدُ السعداءُ إلا في كنفه الشريف الْمُنِيف يَرِدُون حوضَ محبته ومَعِينَ صحبته ومنهل قربه صلى الله عليه وآله وسلم.
قد أبدع البوصيري رائعته بقلب محب وذائقة لطيفة وروح شاعرة بما تَنَزَّل عليها من وحي المحبة ونفحات الصحبة وعطاء الوهاب، فلا نَظْلِمْهَا ونَظْلِمْ صاحبها بالتيه في دروب العبارات وأودية النغمات، نَنْقُدُ البردة مدحاً أو قدحاً، فَتَفُوتَنَا فرصةٌ نذوق فيها بعض ما ذاق الرجل ونتعرف إلى بعض ما عرف ونتطلع إلى ما لا يُدْرَك إلا بفضل الله.

وسوم

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق