تحت ظل النبيمكتوبات

تحت ظل النبي |4| مقدمات (د)

فهاأنا أتوكل على المولى تعالى وليس في خاطري -إلى ما أعالج من خواطر النفس كلما هَمَمْتُ بكتابة، وإلى المشبوب من معاني الحب المتأججة في الْقُلَيْب، وإلى ما لا يزال يَبْرُقُ في الصدر من لُمَعِ الرسالة السالفة- إلاَّ ما بعثه الأحباب ممن أنعم عليهم المولى بالحج هذا العام من شوق للحبيب الطبيب عليه من الله أطيب صلاة وأزكى سلام.
وبدل أن أقوم من تحفة الإمام البوصيري مقام الشارح -وأستغفرُ الله العلي العظيم فلَسْتُهُ وما بهذا أعد القارئ العزيز- رأَيْتُنِي أجلس منها مجلس المتأدب المتتلمذ المتلقي من أَمَالِي جناب الصحبة، وأقعد مقعد المتعلم المقتبس المستمد من أنوار حضرة النبوة على خاتمها أفضل الصلاة السلام.
أحاول إن شاء ربي وهو الموفق المسدد المعين سبحانه أن أَرْنُوَ إلى المقصود مما خلف كلمات البردة ونغماتها، وإن كانت نفسي في حالٍ صعبٍ بين معانيها ومغانيها، ترسلني هته إلى تلك وتحيلني تلك على هته. فما أسهل أن ينحبس العبد بين سجوف الحروف ويَنْدَفِنَ تحت سقوف الأنغام ينسى أن الشاعر إِذْ كتب ما كتب إنما أشار باللفظ إلى المعنى لِيَسْتَدْعِيَه، واستدل بالظاهر على المخفي لِيَجْلُوَه، لا ليأتِيَ من لم يكابد من حرَّ الشوق ما كابد هو ولم يعالج من جَهْدِ المسير ما عالج هو فَيَخُطَّ بقلم أحمر تحت ما فتح المولى عز وجل لرجاله!
فإن استغربتَ فلا تستغربْ أن تكثر شروح البردة وتلاحينها وتتواتر، فما هو -والله- إلا مدد النبوة الْخالد يُمِدُّهَا بِمدده، وإنْ هو -بالله- إلا أثرُ الاِتباع وقسمةُ الصحبة وفعلُ الْمحبة تجعل لها في الناس نورا موصولا من نورها، وما هي -تالله- إلا “وحيٌ” من جِنْسِ ما أوحى به الله تعالى ﴿إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ، ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً، يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ اَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾[1]. 
لا غرابة.. فما النحل الْمُسَخَّرُ قهراً الْمُسَيَّرُ جَبْراً بأكرم على الله تعالى من العبد المتبع الْمُسَلِّمِ السالك الطائع الممتثل توفيقًا ورضًى وحبا واختيارا.
فإن أنعم المتفضل على عبده من غير استحقاق منه لفضله فلا يُسِيئَنَّ الأدب مع مولاه فينقطعَ عنه المدد الرباني المشروطُ دوامُه بِذِكْرِهِ ومَزِيدُه بشُكْرِه.
يسيء العبد الأدب مع مولاه إن جَهِلَ مصدر الهبة الربانية أو غفل عنها وما ينبغي له، ويجحد إن أنكر أن للنعمة وليّاً قَاسِماً يقسمها على من شاء من العباد بإذن ربه، ويكفر كفرانا إن نسب إلى نفسه ما ليس لها مما يوشك أن يَذْهَبَ أثرُه وبركتُه وخَبَرُه والعياذ بالله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]- النحل: 68/69. أُذَكِّرُ القارئ الكريم أنني اعتمدت في الاِستشهادات القرآنية على رواية ورش عن نافع.

وسوم

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق