تحت ظل النبيمكتوبات

تحت ظل النبي |5| مقدمات (هـ)

فاللهَ تعالى أسأل أن ينعم عليَّ كما أنعم على عباده الصالحين ويتفضلَ بأسباب المزيد، وألا يدع من نفسي لحظوظ نفسي سلطانا على نفسي آمين.
فقد اجتهدت طاقتي وإن كنت أحبو فيما يركض الراكضون ويسرعون ويُسابقون ويدركون، وأَلْثَغُ لَثَغًا فيما تَفْصُحُ وتُفْصِحُ أَلْسُنُ أهلِ البيان وأَئِمَّتِه وأُمَرَائِه، وأطمع فيما لا يناله نَحِيلُ كَتِفَيْنِ يزاحم رجالاً عظامًا وحالُه كأنه “حاملُ الأهرام” لا يسعف إلا بما يُيَسِّرُ المولى تعالى ويفتح وهو الفتاح العليم.
وأنا مع هذا في حيرة بين ضعفي وحالي وعوائقي وبين ما تقتضيه الكتابة بين يدي مقام النبوة العظيم؛ فما أحسنَ الأدبَ مع نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم من مَرَّ على آثارِ سيرته العطرة ومَنَائِرِ صفاتِه النيرة وكنوزِ فضائله الجليلة الغامرة مرورَ البخلاء فيبخلَ على نفسه ولا يَغْرُفَ من بحار فضله ولا ينهلَ من معين قربه عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. فكل أثر من آثاره صلى الله عليه وسلم هو منارٌ هادٍ إلى نور الحق بإذن ربه، وتحت كل ثَنِيَّةٍ من ثنايا كَلَمِهِ صلى الله عليه وسلم كنوزٌ ونفائسُ من المعارف واللطائف يُوهَبُهَا من تعرض لنفحات الله بقلب محب موقن متطلع مُتَهَمِّمٍ منكسر لدى الأعتاب الشريفة، ولكل نَفَسٍ من أنفاسه الزاكية -صلى الله عليه وسلم- ندىً عَبِقٌ بنسائم القرب يجد ريحَهَا مَنْ صَحِبَ “مَنْ صَحِبَ” ورأى “مَنْ رأى” ليذوقَ ويعرفَ ويدركَ وما ذلك على الله بعزيز. ومن يبخلْ: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾[1].
وحسبي من الأمر إن تقبل الله مني أن أعاند مِن عباده مَنْ لا يُطاق لهم عناد، وأَشُقَّ غبارَ من لا يُشَقُّ لهم، في سُوحٍ هم أهلُها وفرسانُها، غبار.  
فالحمد لله والشكر له تعالى أولاً، ثم للعزمة الكريمة التي كَلَّفَتني واليدِ الحانية التي خَلَعَتْ علي هذه البردة فدثَّرَتْنِي بها وأنا في كَامِلِ ضعفي ومُنْتَهَى قِلَّتِي وغاية عجزي وفقري إليه تعالى وحسنِ ظني به وثقتي بفضله وتوفيقه سبحانه.
وأتوجه بالسابق من هذا العمل واللاحق هديةَ محبٍّ مغلوبٍ في حب محبوبه مُتَيَّمٍ بِطَيْفِه مُتَهَمِّمٍ بلأْوَائِه مَكْلُومٍ بِِلَوِيَّتِه:
إلى من يبعث الله تعالى بصحبته الرحيمة في القلوب الإيمان، ويجدد سبحانه بعزائمه الماضية بِلى الأزمان، ويُدْرَكُ تحت ظل بردته الشريفة الْمُنِيفَةِ كمالُ الإحسان، ويَرفع من بيت الأمة على التقوى بأياديه المتوضئة القواعدَ والأركان.
وإلى الذين يحملون اللواء بأنْوَرِ كَفّ، ويوحدون الصفوف في خير صفّ. الذين يَقُومُونَ مِن الناس بمعاني المحبة مَقَامَ الْمُسْعِفِ الْحاني واللَّيِّنِ الْهَيِّنِ المتواضع الدانِي، ومِن الدنيا مَقَامَ الكيِّسِ المتزود لسفر الآخرة ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾[2]. من يُغَذُّون بدمائهم الزكية وأرواحهم الطاهرة وأزاهر أعمارهم المباركة شجرةً مباركة ﴿أَصْلُهَا ثَاِبتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَآءِ تُوتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾[3]، ويُفنون أنفسهم في ذات الله حبا ورضاً وطلبا لوجهه الكريم ولِقَدَمِ الصدق “عند مليك مقتدر”، الموفَّقين بإذن ربهم الموقنين بموعوده يقينَهم بصدق ما أوحى به الله تعالى إلى نبيه الكريم صلى الله عليه وآله وسلم في خاتمة قلبِ القرآن “يس”: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً اَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلُّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾[4]. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]- محمد: 39.
[2]- العنكبوت: 64.
[3]- إبراهيم: 26/27.
[4]- يس: 81/82.

وسوم

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق