تحت ظل النبيمكتوبات

تحت ظل النبي |6| الإمام وبردته – الإمام

هو محمد بنُ سعيدٍ بنِ حَمَّاد بنِ محسن بنِ عبدِ الله بنِ حيّاني الحبوني الصنهاجي أبو عبد الله شرفُ الدين، المغربيُّ أصلاً، الدَّلاصيُّ مَوْلِداً، البُوصِيريُّ[1] مَنْشَأً. وقد قال مشيراً إلى أصله المغربي:

فَقُلْ لَنَا مَنْ ذَا الأَدِيبُ الَّذِي               

زَادَ  بِهِ حُـبِّي وَوَسْـوَاسِي

إِنْ كَانَ مِثْلِي  مَغْرِبِـيّاً  فَمَا         

فِي صُحْـبَةِ النَّاسِ مِنْ  بَاسِ

وَإِنْ  يُكَذِّبْ  نِسْبَتِي جِئْـتُهُ

بِجُـبَّتِي  الصُّوفِ  وَدَفَّاسِي

وُلِدَ الإمام البوصيري يوم الثلاثاء فاتح شوَّال (يوم عيد الفطر) من سنة 608 للهجرة؛ حفِظ القرآن الكريم صغيراً وأطلَّ على العلوم الدينية وبعضِ علوم اللغة والأدب والتاريخ؛ أما وفاته فكانت سنة 696 للهجرة، فعَمَّرَ بِذَا ثمانية وثمانين عاما.
تتلمذ البوصيري إلى جَنْبِ ابن عطاء الله السكندري (صاحب الْحِكَم) على يد الشيخ أبي العباس الْمُرْسي تلميذِ الشيخ أبِي الحسن الشاذلي رضي الله عنهم أجمعين. وقد قال مادحاً شيخَه أبا العباس رحمه الله ورضي عنه:
فَاصْحَبْ أَبَا الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ آخِذاً       

يَدَ  عَارِفٍ بِهَوَى  النُّفُوسِ مُنَجِّدِ

فَإِذَا سَقَطْتَ  عَلَى الْخَبِيرِ بِدَائِهَا      

فَاصْـبِرْ لِمُـرِّ دَوَائِهِ  وَتَجَـلَّدِ

وَإذَا بَلَغْتَ بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ  مِنْ      

عِلْمَيْهِ فَانْقَعْ  غُلَّةَ القَلْبِ الصَّدِي

أبياتٌ من قصيدةٍ نَدِيٍّ عُودُها، تَشِي بما سرى في عروق البوصيري من معاني الصحبة، عَبِقٍ عبيرُها، تفوح بما تنسَّمَ من نفحات الإيمان تحت ظل أحد رجالات التزكية الكبار؛ فلا غرابة إذن أن تَنْدَى البردة بِنَدَى خَيْرِ نَسَب، وتَعْبَقَ بروحِ “مَنْ صَحِب من صحب”.
فكيف لا تكون للبردة تِلْكُم الروحُ النديةُ المتجددةُ المتدفقة، كأنها غُدْرَانٌ تترقرق مِنْ فيضِ بَحْرِ مَنْ أُخِذَ منهم العهدُ والميثاق لَيُبَـيِّنُنَّ للناس أزكى ما استُؤْمِنوا عليه من روحِ ولُبِّ وعِمَادِ هذا الدين العظيم ولا يكتمونه؟
وكيف لا يستطيع الرجل أن يَجْلُوَ لنا بعضَ حقائق النفس وبعضَ منعرجاتها ومَثَالِبِهَا وقد كان له بالأمر بصيرةٌ من بصيرةِ “من صحب من صحب”، وأشَعَّ له كَوْكَبٌ من أصحابِ السند الصحيح في مَتْنِ طِبِّ النفوس المتصل المنتهِي إلى طبيبها الأول صلى الله عليه وسلم؟
وأنَّى للبوصيري بِمِثْلِ ذلك النَّفَسِ القوي في بردته وبشِدَّةِ دَفْقِه فيها وغزارة المبثوث بين ثناياها من روح المعاني لو لم يستمدَّ من الخزائن التي لا تَنْفَدُ؟ خزائنُ لا تُفَتَّحُ أبوابُها إلا بمفاتحها بإذن وَليِّهَا. أَنَّى له ذلك لو لم يكن لقلبه سِلْكٌ نورانِيٌّ موصول بالداعي الْمُسْتَأْمَنِ على الحق، الشهيدِ الشاهدِ على الخلق، الخليلِ الرَّابِطِ على القلوب برباطها، الآخذِ بالنفوس من نَوَاصِيهَا ومَعَاصِمِهَا إلى فَرَادِيسِهَا، الدَّالِّ على النور الهادي -صلى الله عليه وآله وسلم؟

[1]- نِِسبةً إلى بوصير، وتقع بين الفيوم وبني سويف بمصر.

وسوم

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق