فرقنا الغنائيةمكتوبات

فرقنا الغنائية |9| حظ الفن من أبواب الجهاد

وَصَلْنَا من شريط هذه السلسلة إلى خواتيمها، وما كانت تروم غير التأصيل لِمُبْتَدَإِ عمل فرقنا الغنائية والتذكير بِخَبَرِهَا.

لا شك أنه لم يكن لبعض القضايا حظ فيما طُرِح، ولكن يشفع لي أنني حاولت جمع شتات أهم ما يواجهنا منها.

ولعل البعض لاحظ عروج السلسلة إلى ما قد يُعْتَبَرُ تناولاً بعيداً عن الفن، وأراه تذكيراً بقاعدةٍ متينةٍ لا يُرجى للفن قيامٌ إلا إن بُنِيَ على أُسسها ليقوم بدوره التاريخي المرتقب بإذن الله. ولهذا كان الإلحاح ويكون على أن حركةً ثقافية وفنية بدون مرجعية تستند إليها وتؤمن بها ويتحرك أهلُها على نورها إنما هو انفصامٌ في شخصية هذه الحركة الفنية كانفصام الصلة ما بين الدماغ وبين بعض أعضاء الجسد.

ولكن ماذا تعنى “جهادية” النشيد؟

هل تعني المضمون الحماسي؟

إن من السذاجة أن نحصر المقصودَ بـ: “النشيد الجهادي” في خانة “الأناشيد الحماسية” التي تتطرق لمظلومية الأمة أفراداً وجماعات في مواجهة الأنظمة المنافقة داخليا والمكرِ الوبيل خارجيا؛ ذلك أن رؤيتنا للجهاد وتعريفَنا له أوسعُ وأشملُ وأعمقُ.

وأظن أن “جهادية” النشيد، بل “جهادية” الفن، ينبغي التماس تفسيرها في ربطها بحظها من أبواب الجهاد المختلفة:

جهاد النفس: حظُّ الفن من “جهاد النفس” هو تَمَثُّلُه لمعانِي السلوك إلى الله تعالى وترجمته إياها كلمةً ونغمةً وصورةً وحركةً بحيث تحقق غايات الدين إسلاما وإيمانا وإحسانا. ومن مقتضيات هذا التمثل أن يكون خطابُنا الفني أصيلاً شاملاً سديداً جميلاً حكيماً.

جهاد المال: الفن مورد من أهم الموارد المادية الداعمة للدعوة. فالنفوس إن رُغِّبَتْ في ما تكره بما تحب سارعت إلى البذل بغير حساب. والكل يعرف ما قام به فنانو مصر الذين جُيِّشُوا في تعبئة عامة بعد نكسة 67 لجمع التبرعات لإعادة بناء البلد. على أن نُذَكِّرَ دائما بالمقابل الذي أعدَّه الله للمنفقين في سبيله في الدار الآخرة.

جهاد التعليم: الفن وسيلة عظيمة من وسائل التربية والتعليم والتبليغ، وأداة خطيرة الشأن من أدوات تهيئ الرأي العام وتعبئته وتغييره وتوجيهه. هذا حظ الفن من باب جهاد التعليم؛ فإن أحسنَّا توظيف الفن في التربية وفي التعليم ابتداءً من فلذات الأكباد أكْسَبْنَاها مَنَعَةً تستقوي بها في الحاضر والمستقبل ضدّاً على الجهل والتجهيل والتغريب والتمييع في معركة لا هوادة فيها.

كان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه بالقصة والمثل والحدث وبالرمز:

روى ابن ماجة عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ خَطَّ خَطًّا مُرَبَّعًا وَخَطًّا وَسَطَ الْخَطِّ الْمُرَبَّعِ وَخُطُوطًا إِلَى جَانِبِ الْخَطِّ الَّذِي وَسَطَ الْخَطِّ الْمُرَبَّعِ وَخَطًّا خَارِجًا مِنْ الْخَطِّ الْمُرَبَّعِ فَقَالَ: “أَتَدْرُونَ مَا هَذَا”؟ قَالُوا اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: “هَذَا الإِنْسَانُ: الْخَطُّ الأوْسَطُ، وَهَذِهِ الْخُطُوطُ إِلَى جَنْبِهِ: الأَعْرَاضُ تَنْهَشُهُ أَوْ تَنْهَسُهُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا أَصَابَهُ هَذَا؛ وَالْخَطُّ الْمُرَبَّعُ: الأَجَلُ الْمُحِيطُ، وَالْخَطُّ الْخَارِجُ: الأَمَلُ”.

“فن تشكيلي” أداةً للتربية والتعليم، والمضمونُ اختصارٌ لرحلة الإنسان العابرة على هذه الأرض، وتبيان لمظاهر البلاء المحيطة به من كل جانب، وتذكيرٌ وتحذير من آمال دونها هادم اللذات.

ولا أشدَّ تأثيرا في النفوس من “الفن” يُحَبِّبُ إليها المعروف ويرغِّب فيه، وَيُبَغِّضُ إليها المنكر بمشتقاته ويُكَرِّهُهُ ويُنَفِّرُ منه.

جهاد الكلمةِ ولوازمِها وتوابعِها في هذا العصر: النغمةِ واللحنِ والصوتِ الجميلِ… والحجةُ إن لَبِسَتِ الكلمةَ الجميلةَ السديدةَ والنغمةَ الحلوةَ المعبرةَ كانت أَلْحَنَ في نفوس الناس منها بغيرهما.

وكما كان الفن (الشِّعْرَ خصوصاً) في العهد النبوي أداةً فعالة للتعبئة والبناء، يكون الفن (عموماً) في عصرنا هذا. ولنتأمل من سيرة الحبيب العطرة صلى الله عليه وسلم ما أخرجه البخاري عن البراء رضي الله عنه حين قال: لما كان يومُ الأحزاب وخَنْدَقَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأيتُه ينقل من تراب الخندق حتى وارَى عني الترابُ جِلدةَ بطنه -وكان كثيرَ الشعَر- فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة وهو ينقل من التراب، يقول:

اللهم لولا أنت  ما اهتدينا
فَـأَنْـزِلَنْ  سكينةً  علينا
إن الأُلى قد  بغوا  علينـا

ولا تصـدقنا  ولا  صلينا
وثَبِّـتِ الأقدامَ إِنْ  لاَقَيْنَا
وإن أرادوا فتـنة  أَبَيْـنَا

قال: ثم يَمُدُّ صوتَه بآخرها.

ما كان صلى الله عليه وسلم يَرْتَجِزُ طرباً؛ حاشاه صلى الله عليه وسلم. وإنما كان تحفيزاً للهمم على البناء وعلى الصبر على تبعات البناء بالأسلوب الذي يجد في نفوس العرب الذين تفعل فيهم الكلمة الشاعرة الموزونة المقفاةُ فعلَ الدواء الْمُنَبِّه والغذاء المقوي.

وجد عبد الناصر بين يديه منتصف الخمسينيات من القرن الماضي جيشا جرارا من الفنانين نَدَرَ أن يجتمع مثله في زمن واحد ومكان واحد، فاستثمره لتثبيت حكمه وتعبئة محكوميه وتوجيههم الوجهة التي نعرفها جميعا، حتى خرج الناس إلى الشوارع بعد تمثيلية إعلان استقالته بُعَيْدَ نكسة 67 يتباكون عليه طالبين إليه العدول عن استقالته كأنه لا مُخَلِّص لهم من الهزيمة إلا من أوقعهم في حُفَرِهَا.

وسائلُ الإعلام وأشكالُ التعبير الفني هي القوالب التي تُفْرَغُ فيها المضامين التي توجه الشعب وتربي الشعب وتغذي الشعب بما يسري في عروقه إلى أوصاله.

الجهاد السياسي: وحظ الفن منه المساهمةُ في التعبئة لتحقيق الأهداف القريبة والبعيدة حسب ما يتطلبه كل ظرف.

جهاد التعبئة: وحظ الفن من هذا الباب أن يدفع في اتجاه مقاومة الاستكبار وتنبيه الأمة إلى مكائد أعدائها المتربصين بها.

جهاد النموذج الناجح: وحظ الفن وأهلِه من هذا الباب أن يبسطوا أمام أنظار الناس ملامح النموذج الذي نُبَشِّرُ به ونسعى صادقين لِتَمَثُّلِه وبنائه على أرض الواقع لمدافعة كل صورة مشينة يُراد ربطُ بشاعتها بمرجعيتنا وبنا.

جهاد التوحيد: والفن يستطيع القيام بدور المهيّء للنفوس الجابر للخواطر المقرّب للمسافات في اتجاه تحقيق وحدة القلوب على أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى موعود الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

وسوم

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق