فن الغناءمكتوبات

تحليل “الصبر والإيمان” لمحمد عبد الوهاب (1)

كلمات: حسين السيد:

تلحين وأداء: محمد عبد الوهاب.

الصبـر والإيـمـان دول جنة الـمظلـوم
والظلم والـحرمـان يلهم مـن الـمحروم
والـحر في الأوطـان حاكم ولـو مـحكوم
لو صام سنة عطشـان عمر العطش ما يـصوم
مهما العـذاب حيطول حيفوت وغـيره فـات
أكرم نـبي ورسـول لـه في العذاب آيـات
جاروا عليـه كفـار عبدو الـحجر والنـار
والنار لـهـا جبـار يسهـر على الفجـار
لا يفوت عليهم ليـل ولا يـحلموا بنهـار
يا سهرانيـن في النـور من كثر ما هو ظـلام
شرف الـبرئ مستور مهما اتفضح وانضـام
افتـكري يا جـدران يا أوفى من الإنسـان
صوتـي مـع الأذان حيقـول في كل أوان:
يا ظـالم لـك يـوم مهمـا طـال اليـوم
يـا ويلك يا ظالـم

*                      *                     *

– تعريف بالملحن المؤدي:

وُلِد محمد هبد الوهاب في مطلع القرن العشرين، عام 1902 م على الأرجح؛ “ونشأ في بِيئةٍ دينية هي أسرة عبد الوهاب أبو عيسى، في حي سيدنا الشعراني في القاهرة. وكان والده فلاحاً من أبوكبير في محافظة الشرقية، نزح إلى القاهرة ودخل الأزهر فلم يكمل دراسته، وفضَّل أن يبقى من مجودي جامع سيدي الشعراني، جَدِّهِ الأول… وأحب عبد الوهاب تجويد القرآن وهو في الرابعة من عمره لجمال صوت الشيخ رمضان عريف الكُتَّاب الذي أخذ يرتاده في جامع سيدي الشعراني، وحفظ القرآن وكاد أن يختط طريقه مُقرئاً (قارئاً) لولا أن العريف الجديد للكتَّاب الشيخ عبد العزيز كان قبيح الصوت شديداً على الأولاد، فبدَّل مجرى حياته. وكان شغف الولد النحيل بالغناء عظيماً حتى توسل إلى سماعه من أفواه متقنيه بكل الوسائل؛ فتسلق حنطور (عربة يجرها حصان) سي صالح عبد الحي (من أشهر المطربين آنذاك) ذات يوم فكلفه الأمر سوطاً على بدنه وجرحا في رأسه استدعى نقله إلى المستشفى… وساعد الطباخين ليدخل مَوْلِداً أنشد فيه الشيخ محمد رفعت المقرئ (القارئ) العظيم، ولم يعد قبل الثانية صباحاً…”[1].

المرجعية الفنية التي ساهمت في تشكيل ذائقة محمد عبد الوهاب كانت هي مدرسةَ التجويدِ ومدرسةَ التوشيح؛ وقد كان -سنوات إبداعه الأولى- “يعرض ألحانة على اثنين من كبار المقرئين (القارئين)، أحدهما الشيخ علي محمود، والثاني رجل يُدْعى الشيخ حسن المناخلي. وكان عبد الوهاب يلجأ إليهما كلما واجهته مشكلة عويصة عند أداء لحن من الألحان”[2]. كما أنضجت تجربتُه في المسرح الغنائي قدراتِه التعبيرية لحناً وأداءً. وكان للموسيقى الغربية الكلاسيكية تأثير وأي تأثير في نزعته التجديدية. أما الأساتذة الذين أثروا في تكوينه الفني فكان منهم الشيخ القارئ محمد رفعت الذي ما فتئ محمد عبد الوهاب يذكر بعبقريته في فن التغني بالقرآن الكريم، والشيخ درويش الحريري الذي علمه فن الموشحات، ومحمد القصبجي الذي علمه العزف على العود، وميشيل اللبناني الذي علمه الصولفيج والهارموني، والشيخ سيد درويش الذي استلهم منه محمد عبد الوهاب العنصر التعبيري في الإبداع.

عُرِفَ عن عبد الوهاب ذكاء ثاقب وروح فنية متوثبة تجديدية اتُّهِمَ بسببها بتغريب الموسيقا العربية؛ واشتهر بلقب مطرب الملوك والأمراء إذ غنى لعهد الملك فؤاد وابنه فاروق ولمحمد نجيب وعبد الناصر والسادات ومبارك، وغنى لملوك ورؤساء الدول العربية من المحيط إلى الخليج، ولحَّن عدة أناشيد وطنية لبعضها.

توفي عبد الوهاب في ماي سنة 1991 م.

– نوع الصوتِ وطبيعته:

صوت محمد عبد الوهاب من أجمل وأحلى الأصوات العربية الرجالية في العصر الحديث، بلغ من الصفاء والتعبير أعلى الدرجات؛ وساعده حفظ القرآن الكريم وتجويده وتَلَقِّيهِ من أفواه مُتْقِنِي التغني به على ضبط مخارج الحروف العربية وحُسْنِ تصريف النَّفَس والقدرة الكبيرة على الارتجال.

أما نوع صوت عبد الوهاب فهو من فصيلة الأصوات المعتدلة بين الحادِّ منها والغليظ: الباريتون «Barytone».

– المضامين المُتَغَنَّى بها:

موضوع هذه القطعة هو: الصراع بين الحق والباطل. وقد كتب الكلمات الشاعر حسين السيد فأجاد كعادته. وليس غريباً أن يتغنى محمد عبد الوهاب عن هذا الموضوع، ولكن الغريب هو تاريخ هذا التغني. فقد سجلت هذه القطعة سنة 1955 م[3]، أي بعد ثلاث سنوات من ثورة “الضباط الأحرار” وإسقاط حُكْم الملك فاروق، وحوالي سنة من استفراد عبد الناصر بالحكم بعد إزاحته لرفيقه اللواء محمد نجيب عن رئاسة الدولة.

مَنِ الظالم هنا ومَنِ المظلوم؟

مُسْتَبْعَدٌ أن يكون المقصود هنا ظلما فرديا، إذْ تتحدث الكلمات عن الوطن والحاكم والمحكوم:

“والـحر  في الأوطـان                           حاكم ولـو مـحكوم”

والحاكم كانت قبضته قوية ذات بأس وبطش، وعبد الوهاب تعوَّد أن يُدَارِيَ ويداري..

فهل هي “فَلْتَة” من فلتات عبد الوهاب غيرُ مقصودة أفلتت من أعين الرقابة آنئذ؟ أم هي

بذرةٌ زُرِعَت في عهد فاروق وأثمرت في عهد عبد الناصر؟

ومما يزيد في الحيرة تشبيه محنة المظلوم في صراعه مع الظالم بحال صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم في قيامه ضد جَوْر وأذى قريش:

أكرم  نـبي  ورسـول                             له  في  العذاب آيـات

جاروا  عليـه   كفـار                          عبدو الـحجر والنـار

والنار  لـهـا  جبـار                                يسهـر  على الفجـار

لا  يفوت  عليهم ليـل                                              ولا  يـحلموا  بنهـار

ويستبعد أن يكون المقصود بالظالم الاستعمار، فقد تغنى عبد الوهاب بعد نكبة 1948م من شعر علي محمود طه عن الاستعمار:

أخي جاوز الظالمون  المدى             فَحَقَّ الجهادُ  وحق الفـدا

أَنَتْرُكُهُمْ يَغْصِبُـونَ العروبةَ             مجـد الأبـوة والسـؤددا

فكانت وَصْفَتُهُ للخلاص منه:

وليسوا بغير صليل السيوف        يجيبون صَوْتاً  لنا  أو صَدى

فَجَرِّدْ  حُسامَك  من غِمْدِه            فليس له بَعْـدُ أَنْ يُغْمَـدَا

وقد حاول الدكتور يوسف شوقي في برنامج: “التاريخ الفني للموسيقار محمد عبد الوهاب” ربط معاني هذه القطعة بالعهد القديم، عهد ملكية فاروق؛ غير أنه لم يُقْنِع ولم يُشْبِع، إذ تحدث عن تغني عبد الوهاب في عبارة: “يا ظالم لك يوم” على أساس أن الشعب قد تخلَّص من قيود الاستعباد والظلم فقال: “ثم عندما تشرق الآمال، وينطق الإنسان بما لم يكن قادرا على أن ينطق به إلا بعد أن خرج إلى عالم الحرية: (يا ظالم لك يوم)”. والقطعة لا تتحدث عن شروق الآمال ولا عن خروج إلى عالم الحرية، إذ اختتمت على وعيد المظلوم، المقيَّد بَعْدُ، للظالم، وعلى أمله في هذا الخروج وذاك الشروق…

ويبقى الجواب عن هذه الحيرة معلَّقاً على ما قد يصل إليه البحث من وثائق وحجج وقرائن…

– الإيقاعات الموظفة فيها:

وظف محمد عبد الوهاب ميزانين اثنين في هذه القطعة: الأولُ ثلاثي (3/4)، والثاني رباعي (4/4).

– المقامات الموظفة فيها:

وظف محمد عبد الوهاب “النهاوند” و”الحجاز” ركنين أساسيين في البناء النغمي لـ: “الصبر والإيمان”، وَلَوَّنَ بـ”الكرد” و”النيروز” و”الصبا زمزمة” بما زاد من جُرعتَيِ الجمال والتعبير فيها.

– أسلوب الأداءِ الغنائيِ:

 وضوح تام للكلمات، وراءَه ضبطٌ تامّ لمخارج الحروف.

 صفاء المقامات المؤداة بلغت درجة كبيرة.

 حضور العنصر التعبيري بقوة في أدقِّ تفاصيل اللحن وتفرُّعاته.

 إتقان القفلات التي تنتهي إليها الْجُمَلُ اللحنية أداءً وصفاءً وتعبيراً.

 القدرة الكبيرة على التحكم في زمام الغناء الموزون والمرسَلِ معاً.

 توظيف تقنيات الغناء كأسلوب “الصوت المحمول Porte-voix”.

– الخطوط التعبيرية في القطعة:

لهذا المونولوج خط تعبيري عام هو الخط الدرامي الذي يصف المحنة ويحكي حكاية المظلوم في صراعه مع الظالم، ويحس المستمع على مدى الأغنية بوحدة موضوعية وموسيقية وتعبيرية واحدة طبعت نسيجها الدرامي من البداية إلى النهاية.

والوحدات الأولى والثانية والثالثة هي بمثابة الخطوط التعبيرية الخاصة للمونولوج: لكلٍّ منها “استقلالٌ تعبيريٌّ ذاتِيٌّ”، وحَبْلٌ سُرِّي يربطها بالخط التعبيري العام تستمد منه روحها لِئَلاَّ يحصل في الوحدة العامة شرخٌ يكسر هيكلها التعبيري. وفي كل وحدةٍ خطوطٌ تعبيريةٌ فرعيةٌ مَنَحَت المونولوج غِنىً وثراءً في الناحيتين التعبيرية والجمالية.

*                      *                     *

الوحدة الأولى

الصبـر   والإيـمـان دول  جنة  الـمظلـوم

والظلم   والـحرمـان ويلهم مـن الـمحروم

والـحر  في الأوطـان حاكم ولـو مـحكوم

لو صام  سنة عطشـان عمر العطش ما يـصوم

تصف الأبيات الأولى من المونولوج حالةَ المحنة والحصار والظلم والحرمان، وطوقَ النجاة منها متمثلاً في الصبر والإيمان، ومقياسَ الحكم في عَيْنَيْ المؤمن الصابر، ويقينَه بالفرج ولو بعد حين.

تبدأ القطعة بتقسيم على القيثارة، كأنه زفرات غَرِيبٍ مُضْنىً مُضامٍ، في خُلْوَةٍ لَيْلِيَّة، زاد من “لَيْلِيَّتِهَا” مقام النهاوند الذي صِيغَ عليه لَحْنُه، والذي يُحِيلُ -في غالب الأحوال- إلى الليل والعزلة والتأمل… ويُلاحَظ أن التقسيم يسير مرة في قرار المقام ومرة في الجواب دون أن يَتَدَرَّجَ بينهما كأنه حوار بين طرفين أَحَدُهُمَا في الدرجات العليا والثاني في الدرجات الدنيا، أو بين مُؤَمِّلٍ ومأمول فيه، مع نغمات عارضة مرة مرة؛ إلا في مَمَرٍّ عابر يتدرج –صعوداً- عازفاً على الحبات النغمية لمقام النهاوند في ديوانين ( octaves2) من درجة (فا/ قرار الجهاركاه) الغليظة إلى درجة (فا/ جهاركاه) المتوسطة إلى درجة (فا/ ماهوران) الحادة في توقيع متعاقب سريع فيما يسمى: Arpège، كأنها الأزمة والمحنة تتصاعد مع كل يوم وكل ساعة وكل لحظة إلى الذروة.

يبدأ الأداء بعد التقسيم وتصاعده اللحني بأول عبارة: “الصبر والإيمان”، وهي عنوان القطعة. ويلاحَظُ ما يلي:

* لم يَلْفِظْ عبد الوهاب بالحرف الأول من كلمة “الصبر” (اِ) (الألف المكسورة على عادة المصريين) ودخل مباشرة في “ـصَّبْرِ…” كأن نَفَادَ صبرِه أو لُهَاثَهُ من شدة المحنة هو الذي حال بينه وبين التلفظ بها، أو لكأن أداءَه استمرارٌ لزفرات القيثارة.

* التجاوب بين الأداء الغنائي والأداء الآلي على مدى القطعة كلها. والتجاوب الآلي يأخذ دورَ المكمل لدور الغناء أو دورَ المترجم له.

* يظهر التعبير الصوتي في أعلى درجاته في الشجن المصاحب للغناء، مع إفراد بعض المفردات بتعبيرات خاصة بها.

* في عبارة: “الصبر والإيمان… دول جنة المحروم…”: جنس حجازكار على درجة (ضو/راست).

* في عبارة: “والظلم والحرمان” توظيف لجنس موسيقيٍّ حزين للتعبير عن الظلم والحرمان، وهو جنس صَبَا زَمْزَمَة مُصَوَّراً على درجة (ضو/ راست).

* في عبارة: “والحر فـي الأوطان… حاكم ولو محكوم…” جنس نهاوند على درجة (فا/ جهاركاه) مع نغمة عارضة: درجة (لا/ عشيران) في كلمة “فـي” وكلمة “وَلَوْ”.

* وهنا يُفْرِدُ عبد الوهاب كلمة: “حاكم” وكلمة: “محكوم” بتعبيرين دقيقين مختلفين:

يريد حسين السيد (كاتب الكلمات) أن يقول إن الحاكم الفعلي في الوطن –بميزان الحق- هو الرجل الْحُرُّ ولو كان محكوماً، وأن الظالم هو المحكوم ولو ظهر للعيان أنه هو الحاكم. ولهذا أفرد عبد الوهاب كلمة “حاكم” بأداء فيه تعبير مُفَخَّمٌ عن القوة، وأفرد كلمة “محكوم” بأداء فيه تعبير واضح عن الضّعف.

* توظيف لأسلوب “الصوت المحمول Porte-voix”، إذ انتقل على مدى ديوان كامل في عبارة: “ما يصـوم” من درجة (ضو/ كردان) إلى قرارها (ضو/ راست) في انسياب كبير مُعَبِّرٍ.

*                      *                     *
[1] – كتاب: “السبعة الكبار في الموسيقى العربية” ص: 151، نقلاً عن برنامج “حياتي”.
[2] – محمود السعدني: مجلة روز اليوسف عدد 3470 ص 86.
[3] – حسب جدول بيان أغنيات محمد عبد الوهاب: “السبعة الكبار في الموسيقى العربية” ص: 311، بينما وثق تاريخَها الدكتور يوسف شوقي في برنامج: “التاريخ الفني للموسيقار محمد عبد الوهاب” سنة 1953م.

وسوم

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق