فن الغناءمكتوبات

تحليل “الصبر والإيمان” لمحمد عبد الوهاب (3)

الوحدة الثالثة

* آهات الكورس الرجالي، موقَّعةً على ميزان ثلاثي (3/4)، ولكن هذه المرة للتعبير عن محنة الظالمين، مع عزف للكمنجات ولكن بضربات قوية لأقواسها بأسلوب قوي مُؤْذٍ للآذان، يشبه صوت السياط تُلْهِبُ ظهورَ الْفُجَّار وجنوبَهُم، أو أصواتهم وهم يتعاوون في العذاب المقيم. القوة الزائدة في أسلوب ضربات الأقواس في المرة الثانية تعبير عن أن ما يجده الفجار من العذاب في الآخرة أشد مما كانوا يسومون به أهل الحق في الدنيا من محن.في هذه الوحدة خطابُ تثبيتٍ للمظلومين، وتذكيرٌ بأنه ما كان لصوت لهج بالكلمة العليا أن يدوم يَوْمُ محنته، وما كان لِسَوْطٍ رُفِعَ في وجه الحق أن يَهْنَأَ بِظِلِّ الطمأنينة دنيا وأُخرى.

يا سهرانيـن في النـور          من كثر ما  هو  ظـلام

شرف  الـبرئ  مستور          مهما اتفضح  وانضـام

افتـكري  يا جـدران               يا  أوفى  من  الإنسـان

صوتـي  مـع  الأذان              حيقـول  في كل أوان:

“يا ظـالم لـك  يـوم               مهمـا  طـال اليـوم”

“يـا ويلك يا ظالـم “

* تبدأ هذه الوحدة بضربات إيقاعية رباعية كأنها تهيء الأسماع وتثيرها للانتباه للخطاب بعدها، متبوعة ومصحوبة بعزف فغناء رباعي الوزن على جنس الْكُرْد مُصَوَّراً على درجة (صول/ نوى) مع تلوينات نغمية عارضة: “يا سهرانين في النور… من كثر ما هو ظلام… شرف البرئ مستور…”.

* صاغ عبد الوهاب عبارة: “مهما اتفضح وانضام” على جنس صبا زمزمة ذي الجرعة الزائدة في الحزن بنفس الأسلوب الذي وظفه به سابقاً في عبارة “والظلم والحرمان”.

* عبارة “افتكري يا جدران” والتجاوب الآلي بعدها فيه تلميح إلى جنس نهاوند على درجة (صول/نوى)، وقوة عزف الآلات معبِّر عن تذكير المظلوم إياها. والشيء نفسه في عبارة “يا أوفى من الإنسان”.

* عبارة “صوتي مع الأذان” والتجاوب الآلي بعدها مَصُوغٌ على جنس نهاوند على درجة (صول/نوى)…. مع ملاحظة خفوت صوت الآلات وتجاوبها تعبيراً عن الخشوع والخضوع والاستسلام لجلال الأذان.

* وهنا يستعرض عبد الوهاب  قدراته الإبداعية لحناً وأداء فيوظف في تصاعد لحني عند عبارة: “حيقول في كل أوان” جنس الحجازكار على درجة (ضو/ راست)، فجنس راست مُصَوَّراً على درجة (فا/ جهاركاه).

* أما عبارة: “صوتي مع الأذان” فعبر فيها عبد الوهاب عن انطلاق صوت الأذان في الآفاق بتكرارها وبامتدادات صوته الشجي الذي يُطَوِّعه بذكاء كبير وبتعبير قوي زاد من شحنة الجلال فيه توظيفُه لمقام نادر الاستعمال هو “مقام النَّيْرُوز”[1] على درجة (فا/ جهاركاه)، باعثاً جَوّاً من الخشوع والجلال يليق بجلال الأذان وهيبته إذ يجمع مقام النيروز بين هيبة الراست وشجن البياتي.

* ثم يعود عبد الوهاب في عبارة: “حيقـول  في كل أوان” إلى مقام الحجازكار على درجة (ضو/ راست)، وَبِتَكْرَارِ العبارة وامتداد الصوت في كلمة: “أوان” تعبير عن طول دعائه وإلحاحه ودوام تذكيره للظالم -مع كل أذان- بقرب نهايته المحتومة. وفي صياغة عبد الوهاب لأسلوب القفلة في كلمة: “أوان” تلميح إلى الأذان الحجازي المشهور المصوغ على نفس مقام الحجاز.

* وفي تَعَمُّدِ عبد الوهاب تَكْرَارَ عبارة “يا ظالم لك يوم مهما طال اليوم”، وعبارة: “يا ويلك يا ظالم يا ويلك”، تعبير عن تهديده إياه بالويل الوشيك الوشيك.

* ولابد هنا من الحديث عن توظيف الأداء الفردي والجماعي وغاياته التعبيرية فيهما:

يلاحَظ زفيرُه ونُهَاتُه المعبر عن آلام المحنة خاصة في مطالع العبارات، مما اصطبغت معه بصبغة درامية قوية الجرعة؛ وأشير هنا إلى هذه الزُّفَيْرَات بحرف الهاء مُصَغَّرةً:

(هـْ) عُمْرِ العطش ما يصوم/ حيفوت (هُو) غيـره فات/ (هـْ) أكرم نبي ورسول له/ (هـْ) عبدوا الحجر والنار/ (هـْ) والنار لها جبار/ (هـْ) على الفجَّار/ (هـْ) افتكري يا جدران/ (هـْ) يا أوفي من الإنسان/ (هَا) يا ظالم لك يوم.

بدأت القطعة في وَحَدَتِهَا الأولى بتقسيم وَئِيدٍ شَجِيٍّ تأمُّليٍّ فَرْدَانِيٍّ على القيثارة؛ والقيثارة رمز واضح للفردانية إذ لا مصاحبة آلية ترافقه، ورمز للغربة إذ إن نغمتَه وأسلوبَ العزف عليه غريب على الأذن العربية التي لم تتعوَّد عليه فيما يبدع الملحنون؛ أو هو بكاءٌ يُلَمِّحُ إلى العهود التي امتدت فيها الحياة إلى ما وراء البحر.. إلى الأندلس. وما تَلاَ العزف على القيثارة غناءٌ فَرْدِيٌّ مُرْسَلٌ مُعَبِّرٌ عن الحالة الدّراميّة للحاكي، بَثَّ فيها لواعج قلبه المكلوم. واختُتِمَتْ هذه الوحدة مُقْتَصَراً في أداء الكورس الرجالي فيها على الآهات تعبيراً عن حالة الظلم التي يحس بها العامّة، كأنهم لا يجرؤون على أن يَنْبِسُوا بكلمة إلاَّ ما يَلْفِظُونَ وَيَلْفُظُون من زفراتٍ خَرْسَاءَ آهاتٍ موزونةٍ على الميزان الثلاثي مع خلفية آلية تعبيراً عن الأذى النازل على المظلومين.

واستُهِلَّت الوحدة الثانية بغناء تعبيري فردي يحكي قصة الدعوة ومِحْنَتِهَا على عهد صاحب الرسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كأنها تريد أن تُسلي المظلومين وتذكرهم بأن أحب الخلق إلى الله قد لقي أشد مما لَقُوا هم، وبأن مصير الظالم من هؤلاء إن هو إلا كمصير الظالم من أولئك، وأن نصيب المؤمن الصابر من الرحمة والتأييد والتمكين هو كنصيب المؤمن الصابر من أهل العهد الأول لا يَنْقُص. ولِيُعَبِّرَ محمد عبد الوهاب عن شدة العذاب الذي يصطلي فيه الكفار مِمَّنْ جاروا على النبي صلى الله عليه وسلم وظف آهات الكورس ولكن لِيُعَبِّرَ هذه المرة عن محنة الظالمين في الجحيم؛ ووُفِّقَ في التوزيع الموسيقي بتوظيف أسلوب عزفٍ مُلْتَوٍ تناغُمِيٍّ للكمنجات كأنها –بصوتها الْمُؤْذِي الْمُنَفِّرِ- سِيَاطٌ تُلْهِبُ جُنُوبَهُم وظُهُورَهُم.

وتُسْتَهَلُّ الوحدة الثالثة بنقرات إيقاعية رباعية الميزان مُنَظَّمَةٍ كأنها تحفيز وتعبئة من هذا الذي يقول للناس على لسان محمد عبد الوهاب: “يا سهرانين في النور.. من كثر ما هو ظلام… شرف البريء مستور مهما اتفضح وانضام”. وبعد الأذان والدعاء والإلحاح يستجيب من يستجيب ويُكَرِّرُ الكورس –رجالاً- خَلْفَ ومع محمد عبد الوهاب عباراتِه المبشرةَ المنذرةَ رباعيةَ الميزان، مع تجاوب الكورس النسائي بآهات تعبيرية. وبعد تَكرار عبد الوهاب لعباراته يستجيب الكورس برجاله ونسائه فيعيد خلفه: “ياظالم لك يوم مهما طال اليوم”، بعد أن كان وحيداً في غنائه وحيدا في صَدْحِهِ بكلمة الحق. وليعبر عبد الوهاب عن قوة الصراع بين المظلومين الداعين مع كل أذان وبين الظالمين الذين يتمادون في ظلمهم، يُوَقِّعُ الأداءَ الغنائي الفردي والجماعي -الذي يمثل أهل هنا- على الميزان الرباعي، بينما يوقع –مرة أخرى- أداء الآلات الموسيقية الْمُتَوَتِّرَةَ -الذي يمثل الباطل هنا- على الميزان الثلاثي. وليصورَ عبد الوهاب ذِرْوَةَ الصراع بين الطرفين وقِمَّةَ التناقض الهائل بينهما عَمَدَ إلى الجمع -في الخط الإيقاعي العمودي نفسه- بين ميزانين لا يجتمعان إلا ليناقض أحدهما الثاني: الميزان الثلاثي (3/4) والميزان الرباعي (4/4) في تَعَدُّدٍ إيقاعيٍّ (Polyrythmie) غريب، يَشِي بفكر موسيقي من الطراز العالي. وفي آخر عبارة من القطعة: “يا ظالم لك يوم.. مهما طال اليوم”، وظف عبد الوهاب أسلوبا موسيقيا حتى الاِسم منه يعبر عن الصراع بين نقطتين (بين طرفيـن): “Contre–point” (نقطة في مواجهة نقطة) في سطر لحنِيٍّ ثانٍ وُكِلَ إلى الكمنجات. وفي قفلة الجملة اللحنية التي تصور هذا الصراع يمتد صوت الكورس في كلمة: “يُومْ” على درجة (فا/ جهاركاه) ويتبعه –على القفلة نفسها- صوت الآلات الموسيقية التي كانت في نزاع وتوتُّر نَغَمِيٍّ معه ، إشارةً إلى نهاية الصراع وخضوع الظالم –الذي تمثله الآلات الموسيقية هنا- واستسلامه لقوة المظلومين الذين يمثلهم الكورس هنا.

[1] – كلمة فارسية معناها: عيد الربيع؛ وهذا المقام هو من فصيلة مقام الراست، إذ يلتقي معه في جنس الأصل(القرار): راست على درجة (ضو/ راست)، ويختلف عنه في جنس الفرع (الجواب) ليكون جنسَ بياتي على درجة (صول/ نوى).

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق