شهادات ورسائلمكتوبات

رسالة من الزمن الجميل

وأنا أقلب أوراقي حنينا وتحننا إلى الماضي الجميل، وجدت هذه الرسالة الجوابية التي بعثتها إلى أحد الأحبة، حين كنا نتراسل بيننا كتابة على الرغم من أننا كنا نلتقي يوميا ،كأن اللقاء لا يكفي لإشباع الروح من النظر ومن القرب… تاريخ الرسالة هو ليلة القدر 1409 الموافق 3 ماي 1989، أي قبل نحو ثلاثين عاما… وكنت في تلك الأعوام مكثرا في كتابة الرسائل حتى إنني كنت أخط عشرات الصفحات في رسالة واحدة، وهكذا مع كثير من الأحبة الذين أرجو أن يكرموني بصور من تلك الرسائل حتى أرى نفسي في ذلك الوقت بين ثناياها…
وهذا جزء من هذه الرسالة:
بسم الله الرحمن الرحيم
ليلة القدر 27 رمضان 1409/ 3 ماي 1989
أخي في الله
الرسالة الثانية
أما بعد
أخي الحبيب
قد سمعت نداءك..
وبلغ شدوك مسامع قلبي.. واهتزت – أيها الطائر الحبيب – لذلك اللحن أوتار قلبي مرددة نغمتك الجميلة..
ومن عجب أن ألحانك تشبه ألحاني.. وشدوك يشبه شدوي.. والبُحَّة التي تصاحب صوتك الشجي العذب تشبه – إلى حد بعيد – بُحَّتي..
فهل هي مصادفة عمياء؟ ! أم إن الأنغام الجميلة تتلقى أنغاما جميلة مثلها؟ !
لا شك انك عانيت في حياتك الكثير.. هذا ما قرأته بين سطور رسالتك الكريمة..
لا شك أنك جُرحتَ مثلما جُرحتُ أنا.. وعانيتَ مثلما عانيتُ أنا.. وتحمَّلتَ مثلما تحمَّلتُ أنا..
فهل هي مصادفة عابثة؟ أم إن القلوب الكسيرة يحن بعضها إلى بعض حنين الطير إلى وكره؟ !
أنا يا أخي طائر مثلك..
أعياه طول ما حلّق في فضاءات فسيحة بحثا عن مأمن من مخالب الصقور الضارية.. وما خاف على نفسه من قدر يتبعه ويأتيه في أجله المقدر له.. ولكنه خاف على قلب رقيق الشغاف بين أضلعه… يحمل سر القدر الإلهي.. إلى بلاد بعيدة بعيدة.. تسقط دون بلوغها العزائم.. إلا من رحم الله..
أيها البلبل..
هذا عندليب يناديك.. بل يجيب نداءك.. بنفس الحرقة التي ناديته بها.. بنفس الآهات التي صاحبت ذلك النداء الحبيب.. بنفس المقامات التي تختارها لأنغامك العذبة..
أيها البلبل..
تختار أنغامك من قاموس الألحان الحزينة.. فهل هي خواطر خَطَرَتْ هكذا دون مقدمات؟ دون قصد؟ أم إن ألحانك لا تصل إلى القلوب إلى بمصاحبة تلك الموسيقى الحزينة؟
تُرى ماذا يخبئ قلبك من مكنون الخواطر؟
تُرى ما يؤلمك؟ !
تُرى من نسيك؟ ! من أهملك؟ ! من قلاك؟ !
أيها البلبل..
هذا عندليب يفهم في أنغام قلوب الطيور الكسيرة..
فأسمعه لحنا من ألحانك.. عَلَّه يجاوبك بلحن فيه نور.. وفيه هدى.. وفيه بلسم..
هذا عندليب.. منك قريب.. لك مُقَدِّر.. وبك مُحِسّ..
فَبُحْ له بسر ما أصابك في رحلتك العابرة على هذه الأرض..
هذه خواطر خطرت لي وهي من وحي هذه اللحظات.. فأحببتُ أن أُثبتها هنا.. ردّاً على خواطرك الرقيقة..
ولا أخفي عليك أنني احترت في أمر رسالتك.. فقد تداخل فيها الماضي بالحاضر.. حتى لا اَقْدِرُ أن أفرق بين ما عشتَ وبين ما تعيش..
فهل انتهت معاناتك؟ أم إن ماضيك ما زال يظلل بغيومه سماء قلبك؟
محمد العربي أبو حزم

مواد ذات صلة

تعليقات 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق