مقالاتمكتوبات

أوراق على أبواب الثورة |1| ثورات “على الهواء”

كان فتيل الثورات، فيما مضى من التاريخ إلى نهاية القرن العشرين، يشتعل فَتَسْتَعِرُ ويتأجج أُوارُها وتأتي على أخضرِ الأنظمة ويابِسِها، فلا يكاد يَشْهَدُها إلاَّ مَن يصنعها ومن تُصنع ضده، ويَبْلُغُنَا، فيما بَعْدُ، خبرُها مِنْ شَفَةٍ لأذن، ومِنْ شاهد لسامع لمؤرخ، فلا يُدْرَى مدى صِدْقِيَّةِ الشاهدِ أو عدالةِ السامعِ أو أمانةِ المؤرخِ أو صحةِ السندِ لروايةٍ لم تَسْلَمْ من دخولِ السلطان أو الزعيمِ أو القبيلةِ أو الحزبِ أو ذي المصلحةِ على الخط لتزويرِ التاريخِ أو سرقةِ النصرِ أو ادعاءِ البطولة أو تشويه الحقيقة. أما في مطلع هذا القرن، وفي هذا الْمَمَرِّ الدقيق من تاريخ البشرية، فإن العالم كله بحواضره وقُرَاهُ ومُتَعَلِّمِيهِ وأُمِّيِيهِ وكِباره وصغاره يَشْهَدُ اشتعالَ فتيلِ الثورات وتَأَجُّجَ لهيبِها وإتْيَانَهَا على هشيم الأنظمة، في مواكبةٍ ومتابعةٍ للأحداث لحظة بلحظة، بل بالمشاركة الفعالة الفورية في صنعها، مع التعرف، بالتفصيل الْمُمِلِّ، على الأبطال الحقيقيين صُنَّاعِ هذه الثورات، ومع المعاينةِ الآنِيَّةِ لنتائج هذه الصناعة، مباشرة على الهواء، بالصوت النقي الصافي، والصورة الملونة الحية، ومن خلال الشبكة العنكبونتية والأقنية الفضائية التي لم تترك بيت مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلا دخلته!

ولعل شعوبنا، بناءً على هذا، تحتاج أن تعيد قراءة تاريخِها، وانتفاضاتِها وثوراتِها بالذات، لتنظر إلى أي مدى بلغ تزوير التاريخ وحقائقه حتى أصبح تاريخَ ملوك وسلاطين وزعماء، ليس إلاَّ، ولتدرك إلى أي حد وصل تشويهُ انتفاضاتِه الْمُجْهَضَةِ أو سرقةُ ثوراتِه المنسوبة زورًا إلى زعماء وهميين أو حكام غدَّارين مُدَّعِينَ ركبوا الموجة وحصدوا الثمرة في غفلة عن الصناع الحقيقيين والشهودِ الْمُصَدَّقِين والعُدول الْمُؤْتَمَنِين.

فهل نستطيع، مثلاً، الاِستئناس بما عايَنَّاه من مشاهدِ مجازرِ النظامين التونسي والمصري، في حق الشعبين الغاضبين، لترميم الأجزاء التالفة من صُوَرِ غضبات المغاربة سنوات 1958 و1965 و1981 و1984 و1990؟

إن ما أتاحته لنا الثورة الإعلامية من سبل ووسائل وأدوات، لمتابعة تفاصيل الثورتين في تونس ومصر من أيامهما الأولى، لَيَبْعَثُ في أذهاننا الكثير من الأسئلة التي بقيت بدون أجوبة مُقْنِعَةٍ رَدْحًا من الزمن، ويجعلنا نفهم، بالربط وبالقياس وبالمقارنة، آليةَ اشتغال الطاحونة الأمنية والسياسية والإعلامية الرسمية في تلك الاِنتفاضات التي وُئِدَتْ في المهد بعيدا عن أعين التاريخ.

لقد كان الإعلام الرسمي، على مدى عشرات السنين، وسيلة مهيمنة على الشعوب شاغلة لها، ولاعبا حاجبا بارعا متحكما في الرأي العام موجها لفكره وعقله ونفسيته واهتمامته، وشاهدَ زور على ما يُزَوِّرُ الحاكم وجوقتُه من وقائع الأرض وحقائق التاريخ؛ أما الآن، فقد دخلت الشعوب، بحق، في مواجهةٍ مباشرةٍ للسلاطاين لمنازعتهم على آذانِ الشعوب وعلى أعينِها ونفوسها ووقتِها واهتماماتها للمسارعة إلى إمدادها بالخبر الصحيح الذي طالما عَتَّموا عليه، وإلى بَثِّها المعلومةَ الحقيقية التي وَارَتْهَا حُجُبُهم الْمُسْبَلَةُ وأسوارهم العالية زمانًا، وإلى كشف الحقيقية التي حاولوا طمس معالِمها في حربهم الشرسة على الشرفاء الذين أيَّدَهُم الحق الذي لا يُغْلَبُ، فتمكنوا من مفردات السياسة، وأتقنوا لغة الإعلام، وأَكْسَبَتْهُمْ لدغاتُ الأنظمةِ الظالمةِ الْمَنَعَةَ من حيث لم تحتسب، ففتح هؤلاء الأحرار عليها من الأبواب ما لا قبل لها به حتى أجهدوها واستنزفوها وأنهكوها، فلم تستطع أبواقُها وهراواتُها وأجهزتُها وطاحوناتها الْعُجُزُ مسايرةَ فُتُوَّةِ الشبابِ وحيويةِ الشبابِ وحركةِ الشباب.

لا يحتاج الأمر إلى دليل للاستدلال على خطورة الآلة الإعلامية وضرورتها ونجاعتها وفاعليتها في المعركة ضد الظلم والقهر والاستبداد، وفي دورها في إيقاظ هذه الشعوب التي بدأت أطرافها تتململ دليلاً على الحركة وعلامةً على الحياة. وشبكة “الإنترنت”، في هذا، شاهد حي على هذا الكلام؛ أما قناة “الجزيرة”، فإنها تكاد تصبح اليوم “شَرْطَ وُجُوبٍ وشرطَ صِحَّةٍ” لنجاح أي ثورة!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(كتبت هذه المقالة ونشرتها في 18 فبراير 2011م).

وسوم

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق