مقالاتمكتوباتمنوعات

قبسات من أنوار الصحبة

قال ابو علي القالي في أماليه:
حدّثنا أبو بكر قال حدّثنا أبو حاتم وعبد الرحمن عن الأصمعي قال: قدم متمم بن نويرة العراق فأقبل لا يرى قبراً إلا بكى عليه، فقيل له: يموت أخوك بالملا وتبكي أنت على قبر بالعراق؟! فقال:

لَقَدْ لاَمَنِي عِنْدَ الْقُبُورِ  عَلَى الْبُكَا

رَفِيقِي لِتَذْرَافِ الدُّمُوعِ السَّوَافِكِ:

أَمِـنْ أَجْلِ  قَبْرٍ  بِالْمَلاَ  أَنْتَ  نَائِـحٌ

عَلَى كُلِّ قَبْرٍ أَوْ  عَلَى كُلِّ هَالِكِ؟

وقَــــــــالَ: أَتَبْكِي كُلَّ  قَبْرٍ  رَأَيْـتَهُ

لِقَـبْرٍ ثَوَى بَيْنَ اللِّوَى فَـالدَّكَادِكِ؟

فَقُلْتُ لَهُ إِنَّ الشَّجَا يَبْعَثُ  الشَّجَا

فَـــدَعْنِي فَهَذَا كُـلُّهُ  قَبْرُ  مَـالِكِ

قرأت مرة على أحبة اعتدت أن أقرأ عليهم ما ييسر المولى تعالى قبل نشره، فلما استمعوا استحسنوا ما استحسنوا قبل أن يستدركوا مجمعين على أنني ما أفتأ أتحين الفرص لأتحدث عن معاني الصحبة والمحبة بمناسبة وبغير مناسبة، فكانوا مني في قولهم هذا مكان العاذل من المحب، ولولا ما أعرفه فيهم من صلاح وأظنه فيهم من حسن السريرة لأَوَّلْتُ عَذَلَهُمْ تأويلا…

وقد سَايَرْتُهُمْ أولَ الأمر وَدَارَيْتُهُمْ، وأسررتُ ما بنفسي ولم أُبْدِهِ لهم، وتأملت في حالي وفي حال من يخاف أن يستكثر بعض الناس على بعض خلقه أن يكونوا ممن وضع الله تعالى لهم القبول في القلوب، فتذكرتُ حال الشاعر متمم بن نويرة اليربوعي:

فإذا كان هذا الشاعر يذكر محبوبه الفقيد عند كل قبرِ ميتٍ لا نسب لساكنه بأخيه، أفأُلام أنا إن ذكرت محبوبي عند كل نسمة تتحرك بما فيها من نسبة الحياة إليه؟

أيُّ معنًى لحياةٍ لم تعطرها زكاة أنفاسه، وأي شفاء لعليل لم تمسح على صدره العاني لمسة الرحمة من راحته، وأيُّ حَمْدٍ لِسَارٍ لم تُوافِه أنوار إمداداته.

لعياله في كل روح منهم مشكاة يوقد مصباحها من سِرِّ النبوة الممدود إليهم بِبَيْضَاءِ أياديه، وكفى بها نعمةً أن يُرْزَقُوها دون سعي أو مسألة أو أنْ يَرِدَ على النفس منها خاطر، وقد كانوا من قبلها من الغافلين الشاردين، ولا ينتفعون بكمالها إلا إن كانوا بها أوثق منهم بما يحمدون لأنفسهم مما يظنونه من عند أنفسهم وما هو من عند أنفسهم. “قل كل من عند الله”.

حديث: “إن لله رجالاً إذا رُؤوا ذُكِرَ الله”.

إن تباهى المتباهون بالوجاهة والقرب فإنما الحمد لمن يخلق ويعطي وينسب به إليهم يقسم ويمنح من كرامة الصحبة والمحبة لكلٍّ بما يرى مواقعَ الأقدام وحظوظَ العطاء ومراتب ما سبق به القدر. فإن لهَجَتِ الألسن فإن العبد لا شيء له فيلهج لنفسه بحمد وهو الأخرس لساناً، الأبعد مكاناً، المنشغل بمخالطة العامة وهموم العامة ورغائب العامة، حتى إنه لا ظن لأحد باستحقاقه لما ينال الفصحاء والخلصاء. وما ندري، فإنما هي الحياة الدنيا، لا يظهر لسعي العبد الأخروي فيها حقيقةٌ إلا عند نشر الصحف باليقين القاطع، “هُنَالِكَ الْوَلاَيَةُ للهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقُبًا”.

إن مناجاةَ المصطَفَيْنَ من عباد الله وُرَّاث النبوة، مَنْ منحهم المولى من العطاء أجزلَه ومن المدارج أعلاها ومن المدارك ما ينقلب البصر من بهائها خاسئا وهو حسير، لا تَسْلَمُ من الزلل إلا إن سَتَرَتْهَا رحمة الأبوة تتجاوز عن لثغة الطفولة ودلال الطفولة وجهل الطفولة.

اُعذرني سيدي الوالد الرحيم، فإنما أستجدي نظرة رحمة لا حياة لي إن حُرِمْتُها، ولا طاقة لي بالمسير إن لم أتزوَّد منها، ولا أمل لي في نجاة إن لم أتعرض لها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

2009م

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق