شهادات ورسائلمكتوبات

تقديم الأستاذ محمد عبادي للجزء الأول من سيرة الإمام المجدد

تقديم الأستاذ محمد عبادي
الأمين العام لجماعة العدل والإحسان

قراءة سير العظماء من هذه الأمة عظيمة الفائدة؛ فهي تدفعك لاقتفاء أثرهم والتشبه بهم والنسج على منوالهم. وهذه السيرة التي بين يديك – أخي القارئ – ستجد فيها – إن شاء الله تعالى -ما يرفع همتك لتطلب معالي الأمور، وما يثير قلبك وعقلك لتسلك سبيل المحسنين، وما يشحذ عزيمتك ويوقظك من نوم غفلتك فتشمر عن ساعد الجد لتلحق بالركب إن كنت ذا عزم وحزم.

تعرض عليك هذه السيرة حياة رجل أحواله مذهلة مدهشة؛ إن حاكمتها إلى الميزان الأرضي استبعدت وقوعها، وإن أرجعت الأمر إلى العلي القدير قلت هذا صنع الله وفضله وتدبيره وهو ذو الفضل العظيم. يبهرك الرجل – رحمه الله – بما حازه من علوم ومعارف في شتى المجالات وفي وقت وجيز، ترافقه في مساره العلمي فتجده حافظا للقرآن في سن مبكرة، وتجده يبز أقرانه ويتفوق عليهم في معظم الامتحانات، لم يرو عطشه المعرفي ما كان يُلقَّن من علوم في معهد ابن يوسف فانكب على تعلم اللغات الأجنبية من فرنسية وأنجليزية وغيرهما بمجهود فردي، الشيء الذي مكنه من الاطلاع الواسع على ما يروج في الكون من فلسفات وإيديولوجيات ومعارف في علم التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع والفلسفة والتاريخ… واكتسب من المهارات والخبرات في فن الموسيقى والتصوير ولعبة الشطرنج ما لم ينله غيره. أثرى مجال التعليم بمؤلفات قيمة ظل بعضها يدرس ربع قرن فأزيد.

وفي المجال الوظيفي ستقف منبهرا مشدوها متسائلا كيف تأتى لهذا الرجل أن يتسلق سلم المناصب في التعليم بهذه السرعة الفائقة، فمن معلم إلى أستاذ إلى مفتش إلى مدير لمدرسة المعلمين إلى مدير لمركز تكوين المفتشين… وفي مجال التكوين والتسيير والتنظيم تكشف لك هذه السيرة عن الأثر الطيب الذي خلفه أينما حل وارتحل؛ اسأل تلامذته الذين أصبحوا أطرا عليا في الدولة وحازوا على شهادات في مختلف التخصصات ينبئوك أن الفضل بعد الله يرجع إلى أستاذهم ياسين، وَزُر المراكز والمؤسسات التي مر بها تخبرك أنها لم تعرف مثله في حسن التدبير والتسيير ومحاربة الفساد والرشوة والمحسوبية والاستغلال. آه لو سمح له أن يتابع خطواته الإصلاحية في التعليم مع ثلة من رفاقه لكان المغرب اليوم يصنف في الطليعة بدل أن يتزحلق إلى مؤخرة الركب.

سيرة هذا الرجل تجسد لك مُثُلا عليا وخصالا حميدة، ما أكثر ما قرأنا عنها في عالم المثال، وقل ما نلمسها في عالم الواقع مُجسدة سلوكا ومعاملات ومواقف. قد تجدها متفرقة عند كثير من الناس، ونادرا ما تجدها مجتمعة في شخص واحد. تتابع سلوك الرجل ومواقفه عبر صفحات هذا الكتاب فتشعر تدريجيا بالانجذاب العاطفي نحوه، ويكبر الرجل في عينيك وتقتبس منه على قدر قابليتك واستعدادك، وهذه هي العبرة من قراءة سير الصالحين.

تجد عند الرجل نهما معرفيا منقطع النظير، وشجاعة نادرة، وهمة عالية، وصبرا على البلاء والشدائد لا حدود له، وصمودا أمام إغراءات الدنيا وفتنها، ووقوفا في وجه الباطل مهما كان الثمن، واستقامة وتقوى منذ الصغر لم يعترها ما يعتري الشباب عادة من انحرافات، ورفقا ورحمة في معاملة الخلق، وبذلا وإنفاقا بلا حساب… والقائمة تطول.

والذي يستوقفك أكثر في هذه السيرة مرحلة الانقلاب المفاجئ الذي طرأ على حياة الرجل، فبعدما أصبح في أوج ما يطمح إليه أمثاله من منزلة رفيعة ومكانة مرموقة إذا بالعناية الربانية تتداركه لتهيئه لمنزلة أعلى وأسمى وأجل، فأظلمت الدنيا في عينيه، وعاف نفسه واشتاق لمعرفة ربه، لكن ما السبيل إليه وما طريق الخلاص؟ انغمس في قراءة الكتب المؤلفة في المجال الروحي وخصوصا كتب الصوفية فلم تنجده، ودخل عالم المجاهدات فلم تسعفه. استبدت به الحيرة والقلق، ومزقت أحشاءه اللوعة والحرقة، وبينما هو في أتون هذه الأزمة الروحية إذ جاءه الفرج فأرشدته العناية الإلهية إلى من أخذ بيده إلى الله، إنه شيخه الحاج العباس رحمه الله، فكان اللقاء به ميلادا سعيدا لحياة أخرى، وأنشأهُ الله بصحبته لشيخه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين. ومنذ ذلك الحين والرجل لا يهتف إلا بالصحبة والمصحوب، سخر كُليته لخدمة شيخه، مالَه ووقتَه وداره، يأخذه في أيام العطل في سيارته ويطوف به المغرب شرقا وغربا شمالا وجنوبا ينادي بأعلى صوته أن هلمّوا يا عباد الله إلى باب الصحبة، فانهال الناس عليه شتما وتهكما وسخرية، رموه بالخرف والحمق ولم يبال. وتطلعك السيرة على ما آلت إليه الزاوية البوتشيشية بعد التحاقه بها من انتشار وشهرة واحتضان لأطر معظمهم التحقوا على يديه.

ثم بعد أن رسخت أقدامه في أرض العبودية لله تبتلا وتذللا وخضوعا ألهمهُ الله حمل همّ الأمة، فأصبح هذا الهمّ يؤرقه ويلازمه آناء الليل وأطراف النهار. ماذا عليه أن يفعل ليسهم في إنقاذ الأمة مما تعانيه من ويلات وعسف وظلم؟ هُدي إلى رسم خطة الخلاص على غرار ما فعله المصطفى صلى الله عليه وسلم فتبلور المنهاج النبوي في ذهنه، وكل كتاباته تتمحور حول هذا الموضوع: المنهاج النبوي في بناء الإنسان وبناء الأمة، ولعل الجزء الثاني المنتظر من هذه السيرة سيفصل القول في الموضوع.

أراد في البداية أن يجعل الزاوية منطلقا لهذا المشروع الإحيائي للأمة ردا للجميل، ولكن الزاوية أغلقت الأبواب في وجهه، وأوذي وعودي من قبل إخوانه الذين ظل طيلة حياته يكن لهم كل محبة وتقدير. يصف رحمه الله الحسرة والأسى لفراق أحبته قائلا: “تمزق فؤادي على أهل بيت عرّفوني الله وعلموني المحبة والتقوى”.

ثم فكر أن يعرض مشروعه التغييري الإصلاحي على ملك البلاد فأهدى إلى الديوان الملكي كتابه “الإسلام بين الدعوة والدولة”، وبما أن الكتاب لم يحدث صدى في القصر ومحيطه عاود الكرة بإرسال رسالة نصيحة فريدة في بابها، خاطب الحاكم فيها بلهجة قوية وجرأة فائقة ووضوح كامل مستعملا أسلوب التقريع والتأنيب ممزوجا بالشفقة والرحمة علّ وعسى أن يشعر المخاطب بالخطر المحدق به وبالشعب، فينهض لإنقاذ المغرب من الطوفان، فكان عنوان الرسالة “الإسلام أو … الطوفان!”، لكن كلمة الحق لا تدع لك صاحبا بل تجلب عليك النقمة والأذى. فأُودع رحمه الله في مستشفى الأمراض الصدرية ثم نقل إلى مستشفى المجانين، وبعد خروجه توالت الاعتقالات والاضطهادات. هذه المحن يعتبرها رحمه الله منحا إلهية ويعد أيامها من أسعد أيام حياته لما وفّرت له من خلوة مع الله.

أخي القارئ هذه نبذة يسيرة عن أحداث هذه السيرة، فكتاب في أزيد من 500 صفحة لا تختزله مقدمة أيا كان طولها.

وقبل أن أودعك لا بد من التذكير بأن هذه السيرة لا تغفل الحديث عن الأوضاع السياسية والاجتماعية، وعن الملابسات والحيثيات، وعن الزمان والمكان التي اكتنفت صاحبها، ولم تغفل كذلك الحديث باقتضاب عمن وقف إلى جانب المترجَم له من أهل وأقارب وإخوان وتلامذة.

ومن مميزاتها كما سترى أن المؤلف لا يكتفي بسرد الأحداث مجردة، وإنما يحللها بعمق ودقة وموضوعية، وكان حريصا على توثيقها معتمدا على مستندات وشهادات وحوارات، وأسلوبها لا يقل أهمية عن مضمونها. فالمؤلف الأخ اللبيب الفنان المبدع صاغ من هذه السيرة تحفة فنية في قالب قصصي محبوك، وبأسلوب سلس ممتع أخاذ يجعلك تتابع أحداث السيرة بنهم وشغف، فما إن تضع الكتاب من يديك اضطرارا حتى تجد نفسك مدفوعا إليه دفعا، تتابع أبوابه وفصوله فكأنما تتابع على شاشة السينما رواية أتقن إخراجها، وكأنما تشاهد صورا رسمت بريشة فنان. فجزى الله المؤلف خيرا عما بذل من جهد لإتحاف الأمة بهذه السيرة التي ستدر عليه الرحمات والدعوات الصالحة من كل قارئ استفاد منها.

ونحن في انتظار الجزء الثاني الذي سيكون أغنى وأوعى لما تميزت المرحلة الثانية من حياة المترجم له بعد “الإسلام أو … الطوفان!” من جهد وجهاد وبناء متواصل لأسس مشروعه التجديدي مشروع العدل والإحسان وفق الله أخانا سيدي محمد العربي أبا حزم لإتمامه.

راجي عفو ربه محمد عبادي

سلا ليلة الأربعاء 16 صفر الخير 1438هـ

وسوم

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق