في الحاجة إلى صحبة رجل

في الحاجة إلى صحبة رجل (1)

الصحبة والجماعة عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله

مقدمة

الد لله رب العالميـن، والصلاة والسلام على سيد المرسليـن، وآله الطيبيـن وصحبه الأكرميـن، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الديـن.
أما بعد؛ فقد عرض أستاذنا المرشد وإمامنا المجدد سيدي عبد السلام ياسيـن رضـي الله عنه، في كتبه كلها على مدى أربعيـن عاما، قضية «الإحسان» ابتداء من كتابه «الإسلام بيـن الدعوة والدولة» (1972م)، وفي رسائله ابتداء من رسالة «جماعة الإرشاد» (1973م)، وفي أعداد مجلة «الجماعة» ابتداء من عددها الأول (1979م)، وفي دروسه السمعية ابتداء من أول دروس المنهاج النبوي الأربعيـن (1980م)، وفي مجالسه المرئية ابتداء بـــــــــ«أحاديث في العدل والإحسان» (1989م)، و«مجالس حمتنويـر المؤمنات» (2001م)، و«حوارات حول المنهاج النبوي» (2009م) مرورا بـزياراته في ربوع البلاد وبمجالس الأحد بعد رفع الحصار (2000م)… أضف إليها لَهَجَه بهذه القضية مع كل من جمع بيـنه وبيـنه جامع سواء أكان في مجلس ثابت أو في زيارة عابـرة…

كان، رحمه الله ورحمنا ونفعنا به، يحمل قضية «الإحسان» في قلبه ومهجته وعقله، في حركاته وسكناته، حتـى إنه لا يكاد يـنبس ببنت شفة إلا كانت عنوانا لها ونَفَساً وموضوعا وأرضـية ومقصدا، ولا يُرى صامتا إلا شَعَّ مِنْ صُموته على مَنْ حوله مِنْ جليل وجميل الأنوار ما يدل على معاني «الإحسان» وعلى خبـر «الإحسان» وعلى مبتدإ «الإحسان» وعلى منتهـى «الإحسان».
وكانت الصحبة في مشروع إمامنا الجليل وفي ميـراثه جوهرَ هذا الإحسان ونواةَ ذَرَّته وبُؤْبُؤَ عيـنه ولُبَّ ثمرته وواسطةَ عِقده ورُوحَ روحه التـي بَثَّهَا فيـنا وأثبتها وأكدها على صعيد التصور وعلى صعيد الممارسة معا؛ نقصد «صحبة رجل» كما كان عليه الحال عند رسل الله عليهم وعلى المصحوب الأعظم والنبـي الأكرم سيدنا محمد أطيب الصلاة وأزكى السلام، وكما كان وكما يكون عند أهل الله العارفيـن به الوارثيـن لسره السائريـن على سنته إلى يوم القيامة. فألَّف حولها قلوب تلامذته وظل يلـح عليها ويوصـي بها ويشيـر إليها بما هي الملاذ الذي انحجبت عنه الحركة الإسلامية المعاصرة قبل عامة الناس، والْتَفَتَتْ وتاهت وشردت. وحتـى تلك الجذوة التـي شَعَّتْ من قلب الإمام حسن البنا رحمه الله وبوركت بها يده وبَرَقَتْ بيـن عيـنيه فجذبت إليه أفئدة من الناس في «فلتة» سابقة من تاريخ الحركة الإسلامية المعاصرة، حتـى تلك الجذوة المُنَوَّرة طالها نسيان ورثة البنا أو غفلتهم، فلم يكن في وسع باقي التنظيمات الإسلامية التـي كانت تدور في فلك الإخوان المسلميـن أن تنتبه إلى الجوهر الذي تناساه أولى الناس به. بل هانحن نرى اليوم بأم أعيـننا، واأسفاه، بعد ما سمي بالربيع العربي، كيف تستثقل بعضُ أطياف الحركة الإسلامية العمل التـربوي، وتستخف به حتـى بات لا يمثل عندها مجرد «جانب» من عملها ورسالتها فحسب، بل فصلته عنها أو انفصلت هي عنه واستقالت منه وتكاد تستغفر منه وتتبـرأ! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
حاولنا في هذا البحث أن نُدَنْدِنَ حول موضوع «الصحبة والجماعة» عند الإمام عبد السلام ياسيـن رحمه الله من زاوية البحث المتجرد من أي اعتبار يمكن أن يؤثـر في منطلقه أو منهجيته أو وجهته أو نتائجه، كالسياق العام الحاضر أو طبيعة الأطراف المعنية بالموضوع اجتماعيا أو حركيا، قاصديـن الحقيقة خالصة حتـى نصل منها عند إمامنا المجدد إلى شاطئ أمانه، ونَرِدَ حياض علمه بثبات وطمأنيـنة ويقيـن، متوسليـن إلى ذلك بما تقتضيه قواعد البحث من استعراض أميـن للنصوص، ومن مقارنة بيـن دلالاتها، مع استحضار مجالها الموضوعي وأفقها الفكري وسياقها الزمني ومحيطها الحركي الخاص بها، ومن معالجة لا تتـرك منطقة ظل إلا سلطت عليها الضوء مهما كان لاذعا للعيـن لادغا.
لقد تبيـن أستاذنا، عند بحثه المضنـي في تراث أهل الله، حيـن فاجأته أزمته الروحية منتصف ستيـنيات القرن الماضـي، أنه لا فكاك من أسر أزمته إلا عبـر باب الصحبة وبمفتاح الصحبة، فاضطر، عمليا، والله وحده يعلم حجم وقوة ومرارة وآلام مخاض ذلك الاضطرار، إلى طلب «صحبة رجل»، فوجدها تحت ظل الحاج العباس رضـي الله عنه، فكانت، كما قرأ وبحث ورَجَا، البابَ والمفتاحَ الذي فتحه الله له به.
وبهذا ترسّـخ لدى إمامنا العظيم، بقوة الفكرة تَصَوُّرًا، أن الباب هو «صحبة رجل». وترسّـخ لديه، بقوة النموذج وبنُجُوعه ممارسةً، أن المفتاح هو «صحبة رجل». وبقوتهما وبقوة ما فتح الله له به وفيه وبقوة نموذجه هو رضـي الله عنه أصبح بابُ ومفتاح «صحبة رجل»، مبدأً في الفهوم ويقيـنا في القلوب ومنهاجا في السلوك لا غناء عنه لبناء أسس وقواعد وأركان المنهاج النبوي في التـربية وفي التنظيم وفي الزحف.
ونحن حيـن نتحدث في هذا البحث عن «صحبة رجل»، إنما نقصد صحبة رجل حيٍّ حياةً بيولوجية يأكل صاحبُها الطعامَ ويمشـي في الأسواق، لا حياة بـرزخية يكون صاحبها من عُمّار الآخرة.
دفعنا إلى هذا البحث ما نراه من تخبط غيـر مفهوم في فهم خصلة «الصحبة والجماعة»، وفي فهم وظيفة «الصحبة» ووظيفة «الجماعة». هي فهوم كثيـرة متخبِّطٌ كلٌّ منها في ذاته وليست فهما واحدا، ولكن نتيجتها تصب في مصب واحد وتندرج تحت عنوان واحد هو «الصحبة في الجماعة»، وهو عنوان حق ومفهوم حق لا جدال، ولكنه يُسَوَّقُ داخل الصف بدلالة حَيَّدَت الرجلَ المصحوب الحيَّ من هذه الخصلة الأمّ وانتـزعت منه وظيفته وسلَّمَتها إلى الجماعة أو بَثَّتْـهَا فيها.
نتحدث عن التخبط مادام أنه ليس هنالك ولو رُبُعُ دليل يؤيد النتيجة المتخبَّط فيها التـي تحدثنا عنها. وقد قال لي أحد الأصحاب إنه لم يخرجه من حيـرته هو في فهم «الصحبة في الجماعة»، بالدلالة المسوَّقَة في الصف، ولم يزرع في قلبه الطمأنيـنة إلى مضمونها إلا فُلان الذي يحيلنا إليه كل من استفتيـناهم في هذه القضية ممن نثق في فهمهم. فقلت لصاحبي: إنك مدحت فلانا وذَمَمْتَ من يحيلون إليه؛ فهل استعصى الخوض في هذه القضية وعَزَّ فَهْمُهَا على أولئك الأحباب إلى الدرجة التـي لا يدركها ولا يحسن يُبَلِّغُهَا إلا فرد واحد، وقد عرضها ورثة الأنبياء وعرضها إمامنا المجدد بما يفهمه حتـى عامَّةُ العامة: «ولا بُدَّ لك في الطريق من دليلٍ يدلك على الله، ورفقةٍ يـربط الله عز وجل بمثالهم واستقامتهم في السيـر قلبَك»؟
نحتاج أن نذكّر في هذه المقدمة أننا نبحث في موضوع «الصحبة والجماعة»، و«الصحبة في الجماعة» عند إمامنا المجدد. ولا مَلامة على من أبدى رأيه الخاص في القضية، إلا أن يَنْسبَ إليه رحمه الله ما لم يقله أو ليس لديه عليه دليل مكتوب أو مسموع أو مرئي، أو يُؤَوِّلَ كلامه تأويلا متعسَّفا فيه متخبّطا، أو لا تحتمله أو لا تستسيغه أو لا تقبله قواعد اللغة العربية، أو يَخْرُجَ به عن مجاله وأفقه وسياقه ومحيطه إلى حيث يحقق، متفلِّتاً من كل القواعد، مأربا لا يتحقق إلا فيه، قَصَدَ ذلك أم لم يقصده.
إن القارئ المتمعن في كتابات الإمام المجدد لا يجد فيما كتبه رحمه الله اضطرابا في المضاميـن أو تضاربا في الأفكار أو تخبطا في المفاهيم، خاصة حيـن يتعلق الأمر بالقضايا التـربوية التـي تعتبـر ثوابت لديه. فكل ذلك يَصدر عنه من مشكاة واحدة هي مشكاة المنهاج النبوي الخالد. وعلى الرغم من ذلك نذكّر هنا ببعض عناصر المنهجية التـي قد نحتاجها ويحتاجها قارئ كتب الإمام ومتابع مرئياته ومسموعاته إلى اعتمادها إذا بدا له أن هناك تضاربا في مضاميـن بعض النصوص المكتوبة أو المرئية أو المسموعة في شأن القضية الواحدة من قضايا المنهاج النبوي:
1- المقارنة بيـن نصوص الإمام المجدد المكتوبة، وترجيح بعضها على بعض، أو اعتبار بعضها ناسـخا لبعض، يكون بحسب تاريخ كتابتها لا بحسب تاريخ صدورها؛ ذلك أن منها ما صدر بعد عشريـن أو ثلاثيـن أو أربعيـن عاما أو أكثـر من تاريخ كتابتها.
2- النص المكتوب أقوى في مضمونه من المسموع أو المرئي؛ بالنظر إلى أن الكتابة المؤسِّسة البنَّاءة يـنشئها صاحبها، في الأصل، وهو يستحضر أنه يوجه كلامه في الزمان وفي المكان وفي الناس إلى ما هو أبعد وأعمق وأدق مما يتوجه إليه حديث مرئي أو مسموع في جلسة طارئة أو موقف عابـر، اللّهمّ إلا إذا تدخلت في هذا عناصر أخرى ترفع الوثيقة المسموعة أو المرئية إلى درجة وقوة الوثيقة المكتوبة الـْمُعْتَمَدَة.
3- إذا كانت الوثيقتان من طبيعة واحدة وبدا تعارُضُهما، فالمتأخرة منهما زمنيا تنسـخ المتقدمة.
4- النص المفصل أقوى من المجمل أو المختصر. وبَدَهِيٌّ أن تفصيلَ صاحب الكلام لمضمون كلامه وتفسيـرَه أولى من تفصيل غيـره وتفسيـره وتخميـنه.
على أننا أمام رجل خبيـر بلغة القرآن، تذوُّقًا وعلما وإنشاء وحديثا، ولهذا سنحتاج في فهمنا لنصوصه رحمه الله إلى اعتماد ما تمليه عليـنا قواعد اللغة العربية الفصحى. أما ما سوى هذا مما فتح الله للرجل فيه، ويَقْعُدُ بنا العجز عن مجاراته أو مطاولته ويتفاوت الناس في درجة إدراكه، فلسنا مخوَّليـن أن نغوص في بواطن بحاره ونحن يعوزنا العلم والقدرة والخبـرة والنَّفَس والتوفيق وإن أَسْعَفَنَا من الرغبة ما أسعفنا.
نسأل الله تعالى أن يكون لنا عونا في هذا البحث، وأن يدلنا منه على ما يُفهِم عقولَنا ويُطمئـن قلوبنا ويـنيـر طريقنا ويُقْدِرُنَا على العمل بمقتضاه. ونسأله، وهو المجيب سبحانه، أن يطهر بواطننا ويخلص بواعثنا ومقاصدنا ويُصَوِّبَ أعمالنا ويستخلصنا للحق ويؤيدنا في طلبه ويـنصرنا بأهله ويُصْبـِرَنَا على الاستمساك به. آميـن.

محمد العربي أبو حزم
الدار البيضاء ليلة 28 جمادى الأولى 1440ه
الموافق لـــــــ 4 فبـرايـر 2019م

وسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق