في الحاجة إلى صحبة رجلمكتوبات

في الحاجة إلى صحبة رجل (2)

الصحبة والجماعة عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله

الفصل الأول – القطيعة مع “صحبة رجل”.. متى؟!

-1- 

نجد من اللازم الإشارة إلى أننا سننقل في هذا البحث نصوصا[1] كثيـرة دبّجها الإمام رحمه الله في مراحل مختلفة من مساره التـربوي الفكري الجهادي. ولهذا فلا عجب إن وجدناه يتحدث في المتقدم منها حديثا مفعما بمفردات من قاموس الصوفية، خاصة إبان وجوده في رحاب الزاوية البوتشيشية وبُعَيْدَهَا. وما أفعمته تلك الأجواء إلى الدرجة التـي يـنساق فيها وهو يكتب في قاموس الصوفية دون وعي، بل كان واعيا تمام الوعي أنها كانت مرحلة مؤقتة كان هو مضطرا فيها إلى الْغَرْف منه ريثما يؤصل جهازه المفاهيمي الخاص به تأصيلا كاملا. هاهو في «الإسلام غدا» (1973م) يشيـر إلى هذا إذ يقول:

«ونرجو من القارئ أن يتـريث في قراءته، فلعله يجد كلمات لم يألفها وأسلوبا فرضهما عليـنا أن النظر الإسلامي لَـمَّا يكسب بَعْدُ آلية من التصورات والمفاهيم الدقيقة، فنحن نكتب ونصوغ تصورات إسلامية نَعْبُـرُ بها ميدان الفلسفة والاجتماع والسياسة والاقتصاد، وإلى الله الموئل والمعاد»[2].

وها هو يبـرر، في رسالة «الإسلام.. أو الطوفان!» النَّـهَلَ المؤقت من القاموس الصوفي، إذ يعتبـر أن ذلك ضمانة مرحلية للحفاظ على جوهر التصوف. وهو نفسه جوهر الديـن الدين الذي جاء به الرسل والأنبياء وسار على أثرهم فيه ورثتهم من العارفيـن والأولياء؛ الصحبة:

«كان عمر بن عبد العزيز يصحب الأخيار، وكان رجاءُ له شيخا إن استعملنا اصطلاح الصوفية. وكل اصطلاح يفرق ولا يجمع. فما أزهدنا في تقاليد الصوفية ومصطلحاتهم متى ضُمن لنا هذا المبدأُ المهم الأساسـي وهو مبدأ الصحبة»[3].

ويؤكد نفوره من القاموس الصوفي واضطراره إليه لحظتَها فيقول:

«وما أحب أن يبقى هذا الاصطلاح المفرق، لكنـي أحرص عليه الآن لكيلا تضيع حقيقة احتضنها قوم عُرفوا باسم معيـن»[4].

كان هذا قبل أن يشب عمرو عن الطوق، كما قال هو رحمه الله عن نفسه. فهاهو يعيد الأمر إلى نصابه في كتابه النفيس الجليل العظيم «الإحسان» (1988م):

«لست أدعو إلى التصوف، ولا أحب الاِسم والشكل لأني لا أجدهما في كتاب الله وسنة رسوله بعد أن اختـرت جوار القرآن والجلوس عند منبـر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. لا، ولا حاجة لي بالمصطلحات المحدثة، فلي غنـى عنها بلغة القرآن وبيان إمام أهل الإحسان. لكن الحق الذي مع الصوفية، حق حب الله تعالى وابتغاء وجهه وإرادة الوصول إليه والتماس الطريق لمعرفته وما يكرم به الحنان المنان المصطفيـن من عباده، حق ثابت في القرآن والسنة، ثابت في حياة من تعرض لنفحات الله وصدق في الله وذكر الله وسار إلى الله. ذاك حق شهد به الرجال تحدثا بنعمة الله عليهم، وأنا أسعد الناس إن كان لشهادتي سامعون واعون هبوا من سبات الغفلة لصرختـي هذه الهادئة، وتيقظوا يقظة القلب، وتجافوا عن الحياة الدنيا، وفزعوا إلى من يدلهم على الله حتـى يعرفوا الله. أنا أسعد الناس إذاً إن حصل في ميـزان حسناتي أفواج من المحسنيـن كنت لهم صوتا يقول: من هنا الطريق، من هنا البداية».[5]

قصدنا الأساسـي من هذا البحث الخُلوص إلى رأي أحد فريقيـن مختلفيـن لتَبَنِّيه:

الفريق الأول يثبت الصحبة لإمامنا المجدد ثم لمن يَخْلُفُه، رجلا حيا بعد رجل، إلى قيام الساعة.

الفريق الثاني أثبت الصحبة لإمامنا في حياته، ثم جعلها، بعد التحاقه بالرفيق الأعلى، «في الجماعة». أي إن أصحاب هذا الرأي يجعلون «الجماعة» هي وارثةَ سرّه ووظيفتِه في الدلالة على الله.

ويتحدث من يذهبون هذا المذهب عما يعتبـرونه تجديدا جاء به الإمام وشَمَلَ مفهوم الصحبة، فتحول الأمر، في رأيهم، من صحبة رجل وظيفته الدلالة على الله، وهو ثابت تربوي سلوكي عند رجال التـربية أهل الله العارفيـن به على مدى قرون طويلة، إلى وراثة الجماعة لهذه الوظيفة الجليلة تحت ما بات يسمى في صفوف الجماعة: «الصحبة في الجماعة». وهو مُسَمّى سبق لأستاذنا حديث عنه – نتناوله لاحقا – ولكن بدلالة مختلفة اختلافا تاما عما يذهبون إليه.

الفريق الأول يؤكد أنه ما من تَحَوُّل أو تغييـر أو تجديد حصل في طبيعة المصحوب الذي يقوم بوظيفة الدلالة على الله؛ فقد كان في رأيه رحمه الله رجلا وارثا لهذه الوظيفة كابـرا عن كابـر وسيظل إلى قيام الساعة. والفريق الثاني يقول إن المصحوب كان قبل الإمام رجلا كما كَانَهُ هو، وأنه صار بعده الجماعةَ.

فدعُونا نتتبع ونقص آثار هذه القضية في مشروع الإمام التغييـري الكبيـر (المنهاج النبوي) من أول ما افتتحه عام 1972م، إلى أن التحق بالرفيق الأعلى عام 2012م، عسانا نطلع على ما يوليه للصحبة من تعظيم، ونقف على النقطة الزمنية التـي حصل عندها التغييـر و«التجديد»، إن كان قد حصل، من «الصحبة والجماعة» حيث صحبة رجل حي، إلى «الصحبة في الجماعة» بالدلالة التـي تعتبـر أن المصحوب هو الجماعة، أو هو «السر» الذي تركه الإمام المجدد في «الجماعة»، أو هو نفسه رحمه الله المصحوب حتـى مع انتفاء شرط الحياة.

ولعلك تقول، ولعلكِ تقوليـن، إن ما دبّجته أنامل الإمام في كتابيه «الإسلام بيـن الدعوة والدولة» (1972م) و«الإسلام غدا» (1973م) حول الصحبة – صحبة رجل – وضرورتها، إبان انتسابه إلى الزاوية البوتشيشية، قد نسـخه بعد أن فارق أهلها وغادر رحابها وغيـر اتجاهه إلى ما لم يعد يمتُّ إليها وإليهم بصلة على صعيد التصور والممارسة، ولهذا فلا عبـرة بالحديث عن صحبة رجل، وإنما العبـرة بالمعادلة الجديدة للدلالة على الله والتـي انتقلت بموجبها وظيفة الصحبة من الإمام المرشد إلى الجماعة تحت الفهم الجديد لـــ«الصحبة في الجماعة»!

يتبع…

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]– اعتمدنا في توثيق نصوص الإمام المرشد رحمه الله الموسوعة الإلكتـرونية «سراج» – siraj.net. كما أننا وضعنا أمام كل كتاب من كتبه تاريخَ تأليفه، وأمام كل وثيقة مرئية تاريخ تسجيلها، كلما وجدنا حاجة إلى ذلك.

[2]– ياسيـن، عبد السلام، «الإسلام غدا – العمل الإسلامي وحركية المنهاج النبوي في زمن الفتنة»، ص: 10-9.

[3] – ياسيـن، عبد السلام، رسالة «الإسلام.. أو الطوفان! رسالة مفتوحة إلى ملك المغرب»، ص: 81.

[4] – المصدر السابق، ص: 118.

[5] – ياسيـن، عبد السلام، «الإحسان»، ج1، ص: 23.

وسوم

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق