منوعات

في الحاجة إلى صحبة رجل (3)

الصحبة والجماعة عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله

الفصل الأول – الفقرة الأولى – القطيعة مع “صحبة رجل”.. متى؟!

-2-

ولا يسعنا إلا أن نَدَعَ لكما، أخي وأختـي، حرية اختيار النقطة الزمنية التـي حصل فيها هذا «التجديد» المفتـرض، في الشريط الزمنـي لإصدارات الإمام المجدد من 1972م إلى 1997م في مرحلة أولى.

الإسلام بيـن الدعوة والدولة (1972م)

يَنْقُدُ أستاذنا في باكورة مشروعه المنهاجـي غفلة الشهيد سيد قطب رحمه الله عن نقطة البدء في حركة الإسلام الأولى فيؤكد لنا «أنه رحمه الله لا يذكر نقطة البدء في حركة الإسلام الأولى على كثـرة ما كتب، ألا وهي لقاء الإنسان بنور الهداية في شـخص حامل الهداية»[1].

ويتحدث عن تأثيـر المصحوب «حامل الطاقة النورانية الذي يحول مَنْ صَحِبَهُ كما تتحول الأجسام بتأثيـر الفاعل الكيماوي»[2]، وكيف أن نقطة الانطلاق «وهي صحبة الولي العارف المؤيَّد الموفَّق وحدَها، تُمَكِّنُ بما يصحبها من نورانية سماها أعداء الأنبياء والأولياء سـحرا، من تحويل أمة بكاملها بما يشبه الموجة العميقة التـي لا تقاوم»[3].

بل إن أستاذنا يجعل «السمة الأولى لأتباع الرسل الأوليـن وهي الصحبة…»[4].

ويصف منهاجَ التـربية داخل الجماعة ومنهاج العمل الشامل للأمة المنبعثة بأنه «المنهاج النبوي الخالد على الصحبة والجماعة والذكر»[5]، وأنه «المنهاج النبوي كما عاشه الرسول وصحْبُه»[6]. انبعاث يتوقف في مشروعه على التجربة الشـخصية التـي «لا تُمْكِنُ إلا مع الصحبة»[7]. ويقصد بالصحبة في الكتاب كله «صحبة رجل» سواء أكان نبيا أم وليا.

وطرح أستاذنا سؤالا مهما جدا جدا جدا، يجدر بنا أن نقف عند جوابه عنه مليا لنستخلص المستخلصات الكفيلة بتنويـر رؤانا إلى قضية هذا البحث، فيـنتقل في جوابه بأفهامنا من إثبات الصحبة (صحبة رجل) في منهاج الأنبياء عليهم السلام إلى إثباتها في ورثتهم كابـرا عن كابـر «إلى قيام الساعة»؛ فيتساءل:

«ما هي الصحبة المتجددة، وكيف تتجدد التجربة الشخصية الروحية وما هي نتائجها؟»[8].

أسئلة يؤكد أن جوابها «في شهادات أولياء الله الذيـن خبـروا السلوك الصوفي وعلمونا الطريق»[9]، قبل أن يطرح ما يمكن أن يطرحه البعض من أن «الصحبة لا تتجدد وهي للأنبياء والرسل خاصة»[10]، فيؤكد أن الجواب «في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوۡمٍ هَادٍ﴾ (الرعد،7) وفي قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «المرء على ديـن خليله، فليـنظر أحدكم من يخالل» فَأَرْسَلَكَ لتبحث عن خليل مؤمن، ونجد في كلام الإمام علي كلمة الهادي كما جاءت في القرآن، ونجده كرم الله وجهه يجعل النجاة في صحبة الهادي والاعتصام به، يقول[11]: «رحم الله عبدا سمع فوعى، ودُعي إلى الرشاد فدنا، وأخذ بحُجْزَة هادٍ فنجا». وقد كان رضـي الله عنه رجل دعوة، فانظر: كيف رتب مراحل الدعوة من الاستماع الواعي إلى الدنو من الداعي إلى النجاة بالتمسك بقوة بالهادي، ومن أمسكتَه بحُجْزَتِهِ فقد تعلقتَ به تعلقا كاملا»[12].

ويحسم الأستاذ المرشد في أمر الطريق إلى معرفة الله بأنها «هي المنهاج النبوي المبنـي أولا على الصحبة»[13].

الإسلام غدا (1973م)

يلح أستاذنا في «الإسلام غدا» على أنه «من الصحبة تبدأ الأمة المشتتة مسيـرتها في اقتحام العقبة، ولا تأليف ولا توحيد يمكن في قطر من أقطارنا إلا بصحبة قوية ساطعة بأنوار الهداية»[14]، وأن التجربة الإسلامية التـربوية الخالدة «تبدأ دائما بالصحبة صحبة الرسول والنبي المجدد أو صحبة الشيخ المربي الصوفي»[15]، وأنه من أجل أن يحبك الله، فيكون لك سمعا وبصرا ويدا ورجلا، فتتـرشح للكمال واللحاق بـركب النور مع النبيئيـن والصديقيـن والشهداء والصالحيـن، «لا بد لك من صحبة فهي أول المنهاج وآخره، والصحبة دعوتنا للعالم»[16]. كما أن «صعود مقامات المعراج يقتضـي أن يكون للداعي صحبة بها اهتدى وعلى نموذجها تربى»[17].

ويحفزنا أستاذنا المرشد للتعرض لنصيبنا وما قُسم لنا من ميـراث النبوة فيما هو أرقى من مقام الإسلام ومقام الإيمان ألا وهو مقام الإحسان عند من يبدأ تحت ظله انبعاث الإسلام:

«إن ميـراث رسول الله صلى الله عليه وسلم والنبيئيـن حق مقسم لك منه نصيب إن تعرضت. وما تتعرض بعبادتك وحدها وعلمك إلا لمقام الإسلام والإيمان، أما الإحسان فاطلبه عند داع إلى الله صاحب بصيـرة. فمن هذا الداعي ومنك نفسك يبدأ بعث الإسلام»[18].

رسالة جماعة الإرشاد (1973م)

وهنا يوضح إمامنا أن «الطريقة الصوفية المبنية على صحبة الشيخ الحي المربي المقدَّم المتبوع كما يسميه الغزالي هي طريقة تهذيب النفس ورفعها عن مستوى طغيانها حتـى تصبح روحانية متطهرة ثم طاهرة متطهرة لا تنـي»[19].

ويزيد الأمر توضيحا إذ يبيـن أن «هداية البشر للبشر واهتداء الخلق بمتبوع ماثل بيـن ظهرانيهم هو مجلى المحمدية، هو مصداق جَعْلِ اللهِ تعالى هدايتَه على يد الدعاة من المومنيـن»[20]. وهذا في رؤيته رحمه الله هو «المنهاج الفطري منهاج الصحبة والاتباع، صحبة رجل قدوة حي يأكل الطعام ويمشي في الأسواق»[21].

ويحدثنا هنا عن سر الصحبة الذي اكتشفه هو بصحبة الحاج العباس رضـي الله عنه وعن إحدى وظائفها وعن ثمراتها وعن بعض أسباب انحجاب مُنْكِريها عنها فيقول:

«أما المحمدية الربانية فتتم بلقاء التائب الذي يـريد وجه الله بـرجل مومن محسن يلزمه ويصحبه ويأخذ عنه السنة حية نابضة غضة كما أخذها تابع عن متبوع من المعيـن الخالد النموذج الكامل صلى الله عليه وسلم ومَجَّد وعظّم. يـنكر كثيـر من الناس هذه المحمدية الفطرية ويـنكرون الصحبة ويـنكرون التـربية لرمد في العيون خلفته النـزاعات المذهبية وافتتان الناس بالصوفية الطاهريـن، معهم أو عليهم. وزاد الأمر قتامة وانبهاما مبالغة المبالغيـن وتقصيـر المقصريـن. ونحن لا نحب الجدل، وإنما نتحدث بما أكرمنا الله به من اكتشاف سر الصحبة وندعو ونتحدى بفضل الله عليـنا لا بجهودنا الضعيفة»[22].

ويشرح لنا رحمه الله كيف تُزَاوَلُ التـربية بيـن كَنَفَي الصحبة والجماعة:

«وتتم الصحبة بالتـزام الجماعة وفي حضن المتبوع والأصحاب يمكن للتـربية الخلقية أن تُزَاوَلَ، ويمكن للأخلاق الزكية أن تُتَبَادلَ فيجد الوارد طيبها كما يجد جليس العطار ريح المسك، وهذا مثال ورد في الحديث الشريف! وهو يشيـر لك أن المحمدية، محمدية الصحبة، هي الشرط الأساسـي للتـربية الخلقية، والتـربية الخلقية على أساس التطهيـر الروحي يسميها القرآن تـزكية»[23].

فماذا نجد تحت كنف الصحبة؟ وماذا نجد تحت كنف الجماعة؟ وبعبارة أخرى: ما هي وظيفة الصحبة؟ وما هي وظيفة الجماعة؟

يجيب رحمه الله بأن «الصحبة تعطيك البلاغ والروحانية العالية التـي تصلك بالقرآن ومعانيه، والجماعة التـزام بقوة الإرادة الواعية، وبهما تجد نفسك مصونا بالوازعيـن الشريفيـن وازع القرآن ووازع المبايعة. ﴿لَّقَدۡ رَضِـيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِيـنَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجـَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِيـنَةَ عَلَيۡهِم﴾[24]»[25].

الإسلام.. أو الطوفان! (1974م)

كانت هذه الرسالة التاريخية قطيعة جذرية مع الزاوية على كل المستويات، كما أكد الإمام نفسه:

«كان انفصالي عن الزاوية انفصالا ليـنا ولطيفا. عندما كتبت رسالة «الإسلام أو الطوفان» لم أستشر فيها أحدا من أهل الزاوية بتاتا، فلما خرجت من الزاوية اعتبـروها هم وثيقة انفصال، وكانت واقعيا انفصالا جذريا على مستوى الفكر، وعلى مستوى الموقف السياسـي، وعلى كل مستوى؛ فهمـي للحاضر والمستقبل والماضـي. وانتهـى الأمر»[26].

كانت الرسالة نقطة انفصال مع الزاوية على كل المستويات، إلا ما كان من الجوهر الذي حافظ عليه الصوفية على مدى قرون طويلة، ألا وهو «الصحبة». ولهذا لم تكن قضية «الصحبة» في هذه الملحمة أقل وضوحا وبيانا مما عرضناه آنفا؛ هاهو يؤكدها هنا:

«كانت صحبة الأخيار أمراً معلوماً لا جدال عليه. ولم يـنشأ الجدل في صحبة الأفاضل إلا بعد أن اختلط الناس، وتمايز رجال زهدوا في الفتنة بأسرها، وبحثوا عن الصفاء، واعتـزلوا في صحبة رجل خيـر يـنيـر لهم الطريق سَمَّوْهُ شيخاً. وسمّاهم الناس صوفية».[27]

ثم هاهو أستاذنا المرشد يؤصل لنا «الصحبة» من كلام المصحوب الأعظم، مشيـرا إلى أحد مقاييس معرفة وارث نبـي الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم:

«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العلماء ورثة الأنبياء» وميـراثه صلى الله عليه وسلم كما قال أبو هريـرة هو قرآن الله يتلى في المساجد. فمن يستحق أن يسمى وارثا؟ كل حامل أسفار؟ أم كل قارئ قرآن في المسـجد؟ ظاهرة واحدة هي التـي يمكن اتخاذها معياراً لمعرفة الشـخص الوارث، هي أن تكون صحبتُه مؤثـرة في الناس، وكلامُه وقدوتُه»[28].

والوراثة نوعان؛ كاملة وجزئية:

«كل من أثـرت صحبته ووعظه وهديه على علم وسنة واتباع واستقامة على الهدى فهو وارث بنسبة من النسب. وهؤلاء الأشـخاص النورانيون هم استمرار النبوة في الأرض، إذ هم ورثة الأنبياء. وما كان الأنبياء عليهم السلام إلا رجالا يدعون إلى الله مؤيديـن بالوحي، مؤيديـن بالطاقة النورانية التـي تجعلهم موضع محبة الناس، ونموذجاً سلوكيا للناس، وهداة إلى الحق. وقد ارتفعت النبوة وختمت بنبيـنا عليه الصلاة والسلام، وبقي الوارثون. فمن وجدناه متبعاً يدعو إلى الله على بصيـرة وتأتي دعوته بصلاح الجماعة فذاك وارث. أمر الله نبيه أن يقول: ﴿هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيـرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنـِيۖ﴾»[29].

شعب الإيمان (1975م)

وحتـى وهو وراء القضبان بعد رسالة «الإسلام.. أو الطوفان!»، حيث لا يعرف المرء إن كان سيـرى الشمس ثانية أم لا، كان كمن يغرس فسيلته ساعة قيام الساعة، ولم يكن يملُّ من الإلحاح على «الصحبة». قال رحمه الله عن معادلة «الصحبة والجماعة» في مصنَّفه «شعب الإيمان»:

«الصحبة والجماعة: صاحبٌ داعٍ من أبويـن ومُرَبٍّ، وجماعةٌ حاضنة. يتسرب الإيمان من قلب لقلب، من القلب النيـر الحي إلى القلب المتعطش الصادق من جيل لجيل تسربا يحافظ على الفطرة ويحددها. لا يكون المومن مومنا حقا، مومنا أساسا، إلا ببلاغِ مُبَلِّغٍ، بلاغ تربوي يتم بالمعاشرة والمخاللة. ولا يقوى إيمان المومن إلا في حِضن جماعة المومنيـن. والمنعزل قد يكون مومنا لكنه مومن ضعيف»[30].

المنهاج النبوي (1981م)

إلى حدود هذه النقطة الزمنية، وبحسب ما عرضناه من مكتوبات إمامنا رحمه الله لم يغيـر الرجل موقفه ورأيه ونظرته إلى «الصحبة» وإلى وظيفتها. في هذه النقطة من مسار الإمام بدت قطيعته مع القاموس الصوفي جلية بعد أن اكتمل جهازه المفاهيمي وأضحى النَّهَلُ من الْـمَعيـن القرآني النبوي دأبَه وديدنَه.

نحن نعرف السياق الخاص الذي كتب فيه الإمام كتابه «المنهاج النبوي – تربية وتنظيما وزحفا»، وهو سياق جهوده من أجل جمع أطياف الحركة الإسلامية على مشروع إسلامي فيه «حد أدنى» من مشروعه التـربوي. ولهذا تجد له في هذا الكتاب أسلوبا في الكتابة لا يحيد عن ثوابته التـربوية، ولكنه يتموّج ويَتَمَرَّنُ (من المرونة) بيـن خفض «الصحبة» جناحَها لـ«الجماعة» المرجوة عند الحديث عن بعض وظائف الصحبة، وهو أمر واضح إذ المصحوب مع الجماعة وفي وسط الجماعة، وبيـن محاولة إيـناس تلك الأطياف الإسلامية في ذلك السياق الخاص الدقيق ببعض الأسماء المجمَع عليها في الأمة ولدى الحركة الإسلامية كالجيلاني والبنا وقطب رحمهم الله. فلما حصل ما رأيـناه من صدود تلك الأطياف وتَبَـرُّمِها من الرجل أخذ حقه وتوسع في عرض مشروعه إلى حدوده القصوى. وحدوده القصوى لا تتجاوز، بالطبع، كتابَ الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

ومما التمس فيه الحكمة وخَفَضَ فيه الجناح لـ«الجماعة» المرجوة قوله رحمه الله:

 «التـربية الإسلامية تخاطب أعمق ما في الإنسان وهو شعوره بالخواء والعبث ما دام بعيدا عن الله. ثم ترفعه في صحبة المؤمنيـن المتواصيـن الصابـريـن المتـراحميـن إلى طلب أسمى غاية وهي وجه الله والاستواء مع أصحاب الميمنة»[31].

ويـنسب الرجل بعض ثمرات «الصحبة» إلى «الجماعة» ترغيبا في الاجتماع والانجماع على الله في مشروع طلب وجه الله:

«رأيـنا أن الإيمان يتجدد بالإكثار من قول لا إله إلا الله، فعندما تكون الصحبة صالحة، رجلا صالحا وجماعة صالحة، ويقبل الكل على ذكر الكلمة الطيبة النورانية حتـى يخرجوا عن الغفلة، يـنشأ جو إيماني مشع، يـنشأ في الجماعة فيض إلهي، رحمة، نور تستمد منه القلوب بعضها ببعض. فتلك هي الطاقة الإيمانية، الجذوة الأولى التـي تحرك القلوب والعقول لتلقي القرآن بنية التنفيذ كما كان يقول سيد قطب رحمه الله»[32].

ثم يخلص بالحكمة نفسها إلى أنه «لا جماعة إلا بتحاب في الله وصحبة فيه»[33].

كان ذاك خطابا حكيما رصَّع به كلماته في كتاب المنهاج النبوي. وفيه رفع الستار شيئا قليلا عن الجوهر الذي حمله في قلبه عمره كله فقال:

«الخطوة الأولى على طريق التـربية والتنظيم، على طريق المنهاج المؤدي إلى الله عز وجل بالنسبة للمؤمن، وإلى الخلافة بالنسبة للأمة وإلى سيادة الحضارة الإسلامية بالنسبة للعالم هي الصحبة والجماعة، هي لقاء رجل يـربيك وجماعة مؤمنة تؤويك وتحضنك، حتـى يسري بصحبة المربي والجماعة إلى قلبك وسلوكك أول سلك من أسلاك نور الإيمان، وأول نفحة من عبيـره، وأول فيض من مائه»[34].

ثم يـرفعه أكثـر قليلا فيقول:

«وإنما يـنفع الله عز وجل المؤمن الصادق الجاد في الإقبال على ربه أول ما يـنفعه بصحبة رجل صالـح، ولي مرشد، يقيضه له، ويقذف في قلبه حبه. ومتى كان المصحوب وليا لله حقا والصاحب صادقا في طلبه وجه الله ظهرت ثمرة الصحبة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ما رواه أبو داود والتـرمذي بإسناد صحيح وقال فيه التـرمذي: حديث حسن: «الرجل على ديـن خليله، فليـنظر أحدكم من يخالل»، والآيات والأحاديث المشيـرة إلى الصحبة والحاثة عليها كثيـر، وكل تاريخ الإيمان يشهد بأن قلب الداعي إلى الله على بصيـرة، نبيا كان أو وليا، هو النبع الروحي الذي اغتـرفت منه أجيال الصالحيـن بالصحبة، والملازمة، والمحبة، والتلمذة، والمخاللة»[35].

فلا غرو إن جعل الرجل خصلة «الصحبة والجماعة» المدخلَ إلى باقي الخصال… في كل زمان، «فقد أتبع الله عز وجل في الآية بعثة محمد صلى الله عليه وسلم بذكر المعية له، فهي أولى صفات المؤمنيـن، في ذلك الزمان وفي هذا وفي سائر الأزمنة، والرحمة بيـنهم مرآة لتلك المعية، ومن كان مع رسول الله فهو مع الله، ومن بايع رسول الله فقد بايع الله، ومن أحب رسول الله فقد أحب الله»[36].

ولا عجب إن امتدت «الصحبة» وراثةً من قلب إلى قلب إلى يوم الديـن:

«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كلما ارتحل في سفره: «اللهم أنت الخليفة في الأهل والصاحب في السفر»[37]. فلقوة تعلقه صلى الله عليه وسلم بـربه عز وجل سرت من قلبه الطاهر مادة الإيمان إلى من صحبه، ثم امتدت الصحبة وراثة فكانت رحمة بيـن الصحابة والتابعيـن ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الديـن، تسري من قلب لقلب، ومن جيل لجيل، بالصحبة والمحبة والتلمذة»[38].

ليـرفع الستار أكثـر فأكثـر ويقول بالعربي الفصيح:

«فمن كتب الله سبحانه له سابقة خيـر يسره لصحبة دليل رفيق، ولي مرشد»[39].

شَقَّ عليه رحمه الله رفع الستار، إلى منتهاه، عن معاني الإحسان وعن ضرورة الصحبة والمصحوب الدال على الله كما فعل في «الإحسان»، فتلكم المعاني لا يستطيع أن يعرفها حق معرفتها ولا يَقْدِرُ يُعَظِّمُهَا إلا رجل ذو همة عالية ونفس مضطرة إلى الله الاضطرار الكلي كما اضطر أستاذنا إبان أزمته الروحية. ولهذا اعتبـر رحمه الله أن الحديث مع بعض الناس بهذا الموضوع هو أشبه بنثـر نعمة الله في قارعة الطريق تدوس حرمَتَهَا الأقدامُ العاسفة دَوْسا:

«لِنُدْرَةِ الهمم العالية المتشوفة إلى معرفة الله، اليائسة من كل شـيء دون الله، المضطرة الاضطرار الكلي إليه سبحانه، الظمأى إلى مورد قربه، يعز عليـنا نثـر الحديث عن الإحسان وطريقه أكثـر مما فعلنا، فيتخطاه الناس وهو حرمة من حرم الله»[40].

رجال القومة والإصلاح (1983-1982م)

في هذا الكتاب، في الفصل السابع منه المعنون بـــــ«العلماء المربون»، وفي فقرة «العارفون بالله»، يقول الإمام المجدد رضـي الله عنه:

«كان الفقيه يفتـي في النوازل، وكان المحدث منكبا على العلم يخدم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكلا الوظيفتيـن حيوي لحياة الأمة.

لكنَّ المشايخ العارفيـن بالله اختصوا بتنويـر القلوب، وتقريب العباد إلى خالقهم، بحملهم على الاستقامة، وتسليكهم بمجاهدة النفس، ودوام الذكر، ومراقبة الحق عز وجل. ولم يُقَصِّروا في الجملة في نشر العلم وبث الفضيلة في الأمة، إذ تتعدى تربيتهم الخاصة من تلامذتهم إلى العامة. وكانوا إلى جانب هذا يُؤْوُونَ البائسيـن…»[41].

ثم يضيف:

«ألا وإن الله عزت قدرته، وجلت مِنَّتُهُ، قيض لهذه الأمة رجالاً كُمَّلا، يا من يتنسم معنـى للكمال! كانوا ولا يزالون وسيبقون إن شاء الله ورثةَ الأنبياء وخلفاءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته. جامعيـن بيـن الأقوال والأفعال والأحوال»[42].

إمامة الأمة (1983م)

وتحت عنوان: «اصحب شيخا مرشدا»، قال إمامنا المرشد إن «مفتاح الطريق وضمان السلوك صحبة رجل»[43].

الإسلام والقومية العلمانية (1985م)

وهنا يقيس إمامُنا موقفَنا على الموقف إبان البعثة النبوية، ليخلص إلى شدة حاجتنا الآن إلى الوظيفة التـي اضطلعتْ بها الصحبة حيـنئذ:

«شبيه موقفنا بموقف البعثة النبوية… لهذا الشبه، ولوحدة الهدف، لا يصلح أمر التجديد الإسلامي إلا بما صلح به أمر التأسيس الإسلامي. وحسن الصحبة مفتاح الموقف اليوم وغدا كما كان في العهد الأول. حسن الصحبة يعنـي حسن التـربية، يعني أولويتها، يعنـي أخذ الفرد بالإحسان، واكتنافه بالصحبة، ورفعه مع الجماعة، وصونه في محضنها، وإشراكه في حيويتها الإيمانية، وأخذه عاطفيا وعمليا، وقلبيا وعقليا. في السفر الجماعي من أرضـية الانتماء إلى سماويته، من قطرية القومية ومحليتها إلى عالمية الإسلام»[44].

سنة الله (1988-1987م)

أما في «سنة الله»، فيكفيـنا أن نتفق على ثبوت الصحبة للأنبياء في أتباعهم، ولنبيـنا صلى الله عليه وسلم في أصحابه، لنكون قد خطونا، بالضمن، خطوات حاسمة نحو الفريق الأول و«صحبة رجل»، إيمانا بهذه الصحبة لوارث النبوة في الجماعة[45]، ولمن يخلفه فيها إلى قيام الساعة.

فهاهو رحمه الله يؤكد أن الصحبة (صحبة رجل) ممتدة إلى زمن نزول عيسى عليه السلام، فيقول بالوضوح الكامل:

«ننظر إلى موعود الله ورسوله، نتقلب في سرَّاء بشارته غيـر المُخْلفة، لا يغرنا تقلب الذيـن كفروا في البلاد، ولا تقعدنا البشارة والثقة بما أوحى الله إلى رسوله عن اتخاذ الأسباب لنخرج بالأمة من الغثائية الموروثة، واضعيـن أمام أعيـننا نزول عيسى عليه السلام، نكون يومئذ خلفا له عن حوارييه، وهي مرتبة صحبة الأنبياء. جعلنا الله معهم»[46].

الإحسان (1988م)

النص السابق من «سنة الله» يؤكده إمامنا في «الإحسان» على لسانه وعلى لسان الجيلاني إذ يقول:

«إنها سنة إلهية ماضية إلى يوم القيامة أن يكون في سلسلات الولاية تابع ومتبوع. قال الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس الله روحه: «إن الله عز وجل أجرى العادة بأن يكون في الأرض شيخ ومريد، صاحب ومصحوب، تابع ومتبوع من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة« [47].

العدلالإسلاميون والحكم (1990م)

يقول إمامنا المرشد:

«صحبة «من» يبعثه الله عز وجل ليجدد الديـن. جاء في حديث رواه أبو داود والبيهقي والحاكم بسند صحيح عن أبي هريـرة رضـي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأسِ كل مائة سنة من يجدد لها ديـنها».

وصحبَة الــــــ«مَنْ» لا تتقيد بـزمان، فالمرء على ديـن خليله كما أخبـر الصادق الأميـن»[48].

«تنويـر المؤمنات» (1993م)

وفي التنويـر تنويـرٌ وتنويـر وتنويـر لقضيتنا في هذا البحث، نكتفي منه بهذا النص:

«نعود ثم نعود إلى رأس الحكمة: وهي: «الصحبة أولُ الطريق». ما كانوا صحابة إلا لأنهم أحبوا. وتركوا فيـنا الوصية بالصحبة كما سمعوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما ذاقوا هم المحبة، وكما أدركوا أهميتها القصوى. قال سيدنا عبد الله بن عمر رضـي الله عنهما كما أخبـر مجاهد ونقله المناوي: «فإنّك لا تنال الوِلاية إلا بذلك، ولا تجد طعم الإيمان حتـى تكون كذلك». يعنـي الحب في الله والبغض في الله. والله ولي المؤمنيـن»[49].

«حوار مع الفضلاء الديمقراطييـن» (1993م)

وتكفيـنا من هذا الكتاب هذه العبارة:

«ومن الصحبة وبالصحبة وفضل الله على المؤمنيـن بالصحبة يبدأ التغييـر»[50].

محنة العقل (1993م)

وتكفيـنا من هذا قوله رحمه الله:

«علَّم النبي الرسول المعلم الوالد صلى الله عليه وسلم بالقدوة الحسنة. والصحبة في المنهاج النبوي هي المدخل الضروري للتـربية»[51].

رسالة تذكيـر (1994م)

ويمكن أن نفهم مما حَدَّثَنَا به إمامنا المجدد من أمر الصحبة آنفا أن المصحوب «رجلٌ». كما يمكن أن نفهم أن المصحوب «الجماعة». ولهذا فهو يفرّق بوضوح بيـن وظيفة «الصحبة» ووظيفة «الجماعة»، فيُفهمنا بما لا يدع مجالا للخلط أو للشك أن «الصحبة في الله محبة في الله وتآخٍ وتراحم يـرتفع بها الوافد عليـنا في درجات حب الله وحب رسول الله. والجماعة تنظيم. لا يمكن أن تجابه قوى الكفر والظلم وأنت شتات ورفات. ويختصم التنظيم وضوابطه ومسؤولياته مع ليونة تأليف القلوب فلا يثبت في الميدان إلا كل قوي الإيمان، يمنعه من التساقط الثقة بالله، وحسن الظن بعباد الله، والصبـر على أذى الإخوة والأعداء في ذات الله»[52].

الإسلام والحداثة (1997م)

ويخاطب الإمام أخاه الرجل وأخته المرأة أنه «وبعد أن تجتاز وحدك امتحان الفراق لا بد لك من لقاء. لا بد أن تتجه نحو صحبة أخرى تتخذ لك مكانا بيـنها. لا بد أن تتكيف مع وسط آخر يتبناك. لا بديل لك حيـنئذ عن صحبة روحية، لأن الصحبة مفهوم مركزي في الإسلام»[53].

[1] – ياسيـن، عبد السلام، «الإسلام بيـن الدعوة والدولة – المنهاج النبوي لتغييـر الإنسان»، ص: 18.

[2] – المصدر السابق، ص: 49.

[3] – نفسه، ص: 297.

[4] – ياسيـن، عبد السلام، «الإسلام بيـن الدعوة والدولة»، ص: 326.

[5] – المصدر السابق، ص: 338-337.

[6] -ياسيـن، عبد السلام، «الإسلام بيـن الدعوة والدولة»، ص: 338.

[7] – المصدر السابق، ص: 339.

[8] – نفسه، ص: 346.

[9] – نفسه، ص: 346.

[10] – نفسه، ص: 346-345.

[11] – «زهر الآداب»، ج1، ص: 41.

[12] – ياسيـن، عبد السلام، «الإسلام بيـن الدعوة والدولة»، ص: 346.

[13] – المصدر السابق، ص: 351.

[14] – ياسيـن، عبد السلام، «الإسلام غدا»، ص: 53-52.

[15] – المصدر السابق، ص: 46.

[16] – نفسه، ص: 943.

[17] – نفسه، ص: 53.

[18] – ياسيـن، عبد السلام، «الإسلام غدا»، ص: 789-788.

[19] – ياسيـن، عبد السلام، رسالة «جماعة الإرشاد»، ص: 41. (رسالة مكتوبة بخط يده، في 153 صفحة، وجهها إلى شيخ الزاوية البوتشيشية حمزة بن الحاج العباس صيف 1973م).

[20] – المصدر السابق، ص: 46.

[21] – نفسه، ص: 46.

[22] – نفسه، ص: 46.

[23] – نفسه، ص: 47.

[24]– الفتح 18. (اعتمدنا في توثيق الآيات القرآنية على رواية حفص عن عاصم).

[25] – ياسيـن، عبد السلام، رسالة «جماعة الإرشاد»، ص: 47.

[26] – ياسيـن، عبد السلام، «حوار شامل مع الأستاذ المرشد عبد السلام ياسيـن»، ص: 21-20.

[27] – ياسيـن، عبد السلام، رسالة «الإسلام.. أو الطوفان!»، ص: 81-80.

[28] – المصدر السابق، ص: 131.

[29] – النفسه، ص: 132-131.

[30] – ياسيـن، عبد السلام، «شعب الإيمان»، ص: 17.

[31] – ياسيـن، عبد السلام، «المنهاج النبوي»، ص: 13.

[32] – ياسيـن، عبد السلام، «المنهاج النبوي»، ص: 52.

[33] – المصدر السابق، ص: 79.

[34] – نفسه، ص: 119.

[35] – نفسه، ص: 123-124.

[36] – نفسه، ص: 122.

[37] – رواه الإمام أحمد ومسلم وغيـرهما.

[38] – ياسيـن، عبد السلام، «المنهاج النبوي»، ص: 122.

[39] – ياسيـن، عبد السلام، «المنهاج النبوي»، ص: 124.

[40] – المصدر السابق، ص: 126.

[41] – ياسيـن، عبد السلام، «رجال القومة والإصلاح»، ص: 93.

[42] – المصدر السابق، ص: 96.

[43] – ياسيـن، عبد السلام، «إمامة الأمة»، ص: 146.

[44] – ياسيـن، عبد السلام، «الإسلام والقومية العلمانية»، ص: 144-143.

[45] – أربأ بالقارئ الكريم أن يحسب «الجماعة» في أدبيات الإمام المرشد ذلك التنظيم المنغلق بقوانيـنه المنظمة على نفسه؛ إنما مفهوم «الجماعة» يتجاوزه إلى مدلولات أخرى لعل أرقاها مفهوم «جماعة المسلميـن»، في رؤية مستقبلية تستوعب أطيافا من التوجهات مختلفة.

[46] – ياسيـن، عبد السلام، «سنة الله»، ص: 320.

[47] – ياسيـن، عبد السلام، «الإحسان»، ج1، ص: 198.

[48] – ياسيـن، عبد السلام، «العدل – الإسلاميون والحكم»، 65.

[49] – ياسيـن، عبد السلام، «تنويـر المؤمنات»، ص: 340.

[50] – ياسيـن، عبد السلام، «حوار مع الفضلاء الديمقراطييـن»، ص: 99.

[51] – ياسيـن، عبد السلام، «محنة العقل المسلم بيـن سيادة الوحي وسيطرة الهوى»، ص: 49.

[52] – ياسيـن، عبد السلام، «رسالة تذكيـر»، ص: 13.

[53] – ياسيـن، عبد السلام، «الإسلام والحداثة»، ص: 242-241.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق