مقالات

بين الدنيا والآخرة (4) شأن المؤمن

في فقرة مَضَتْ تساؤلٌ عن سِرِّ ومصدرِ المعاني الذي كانت تسكن الراحلةَ خديجةَ وتغتذي منها عزيمتُها الماضيةُ وتستمد منها -رحمها الله ورضي عنها- زادَهَا وقوتَها وثباتَها ويقينَها حتى أَضْحَتْ مثالاً لِمَا يستطيعه روحُ ابنِ آدم إن صانَ النَّفْخَةَ العلويةَ بمعاني الإيمان ورعاها بعين الإحسان مِنْ دَنَسِ النفس والهوى والشيطان وحَفِظَ عهد ربِّه وميثاقَه الذي واثقه به من قبل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا[1].

فما حقيقة تِلْكُمُ المعاني وما حظِّي منها؟ وما هو المطلوب إلَيَّ أنا المخلوقَ الْمُمْتَحَنَ في هذه الدنيا؟ وما شأني أَعْظَمُ شأنِي فيها؟ إِذْ ما أشدَّ ما تضطرب نفوس العباد بين عناصر معادلةِ المطلوبِ إليهم في شؤون دينهم وشؤون دنياهم إن لم يتداركهم المولى تعالى بقبس من نور حبيبه صلى الله عليه وسلم.

ومما يُهْتَدَى به من أنواره صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن حديثٌ عريضُ المتنِ عظيمُ المعنى جليلُ الفائدةِ زاخرُ الوصية أَغَرُّ أَنْوَرُ، هذه لُمْعَةٌ مِنْ لُمَعِه:

“وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمَانِهِ مُقْبِلاً عَلَى شَأْنِهِ”[2].

وكيف يكون للعاقل بَصَرٌ بزمانه إن لم يكن للتَّهَمُّمُ بأمر أُمَّتِه مَحَلٌّ في مجال حقله البصري البتَّة؟ وكيف يكون هذا العاقل “مُقْبِلاً عَلَى شَأْنِهِ” إن لم يعرفْه أَوَّلَ شيء؟

جاء في لسان العرب في معنى الشأن: (الخَطْبُ والأَمْرُ والحال).

يقول عز من قائل في سورة يونس: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلاَ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [3].

ويقول تعالى في سورة الرحمن: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ[4].

وفي تفسير ابن كثير: عن ٱبن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ؛ قال صلى الله عليه وسلم: “يَغْفِرُ ذَنْبًا وَيَكْشِفُ كَرْبـًا وَيُجِيبُ دَاعِيًا”.

فشأنُ العباد أن يَدْعُوا ربهم ويستغفروه ويعبدوه ويعرفوه ويحبوه، وكيف لا يكون هذا الشأْنُ الجسيم مطلوبًا إليهم وما خَلَقَهُمْ سبحانه إلا من أجله. وشأنُه تعالى أن يغفرَ لهم ويرحَمَهم ويكشفَ عنهم البلوى ويجيبَ الدعاء، وكيف لا يكون هذا خَطْباً عظيماً وليس لهم إِلاَّهُ غافرًا راحمًا ومغيثًا مُجيبًا سبحانه. وشأنه صلى الله عليه وسلم أن يَتْلُوَ هذا القرآن على عباد الله وَيُزَكِّيَهُمْ ويُعَلِّمَهُمْ الكتاب والحكمة ويأْخُذَ بأيديهم ويرقى بأرواحهم في مراقي الإيمان والإحسان، وكيف لا يكون هذا أمراً جَلَلاً وما بُعِثَ صلى الله عليه وسلم إلاَّ لذاك.

“وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمَانِهِ مُقْبِلاً عَلَى شَأْنِهِ”.

وكما يكون من شأن العبد مع ربه في هذه الدنيا يكون شأنه تعالى معه في الآخرة. وشتان في دنيا الناس هته ما بين شأنٍ وشأن. وشأنُ العاقل وشاغِلُه في دار البلاء لقاءُ الله تعالى في دار الجزاء حين ترى الناسَ ﴿سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ[5]، حيث يكون ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ[6].

ومَنْ أقبل على شأنِه هنا كُفِيَ شَأْنَهُ هناك.

“وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمَانِهِ مُقْبِلاً عَلَى شَأْنِهِ”.

وفي هذا الحديث العريض الأغر وفي غيره يُعَدِّدُ صلى الله عليه وسلم من شؤون المؤمن التي لا يصلح أمر دنياه وآخرته إلا بِطَرْقِ أبوابها ويوجهه كيف يطرق وكيف يَلِجُ وكيف يصنع. غير أنه صلى الله عليه وسلم يوجه بَصَرَنَا نحن المؤمنين إلى زاوية النظر التي يَدْخُلُ في حقلها البصري الأفقُ البعيد والغاية السامقة التي ينبغي على العبد العاقل أن يَرْنُوَ إليها، ويدخلُ فيه المدى القريبُ والمجال المحيط والواقع الحاضر والناس المخالَطون. ومَرْكَزُ الحقل البصري للمؤمن هو “شأنُه” ومصيره في الأفق البعيد -بين يدي الله- تُقَرِّبُه سكراتُ الموتِ المنتظَر.

إنه لا يطول الأمد على عَبْدٍ في أَيِّ “شَأْنٍ” من شؤونه إلاَّ تأصل في نفسه بحكم الاِستغراق حتى إنَّه ليفيضُ بطبيعته على هذه النفس فتكاد تصيرُ كُلُّ ماهيتِها منه وحده، وتمسي كلُّ سجاياها نسخة من سجيته كأن طينَ هذا العبد عُجِنَ بماء هذا “الشأن” أوَّلَ ما خُلِق. فإن كان هذا “الشأنُ” جزءاً يسيراً من مراد الله تعالى مِنْ عبدِه لا كُلَّ المراد فيكاد يزيغ المستغرق فيه عن الغاية من خَلْقِهِ إن لم تتداركه العناية الربانية. وإن كان في هذا “الشأن” مرادٌ مما يريد الشيطان في ابن آدم وحظٌّ من حظوظ الهوى يُضْعِف ويُغَيِّبُ ويخنق المعاني الإيمانية في قلبه فيا مُغيثُ أَغِثْ. ونعوذ بالله مما يسمى في القاموس القرآني النبوي “الطّبعَ” و”الْخَتْمَ”. وهو انسدادٌ يحصل في منافذ القلبِ، مَحْضِنِ المعاني الإيمانية، وتَلَفٌ يصيب السُّبُلَ والقنواتِ السالكةَ بها إليه فلا ينتفع بها البتَّة.

وما يسري حُكْمُهُ على الفرد الواحد من الناس يسري على الأُمَّةِ منهم؛ إذْ لا يطول عليها أمدٌ في الانشغال بالشأن العارضِ عن الشأن الثابتِ، وبالاِشتغال بالحركة الميدانية محجوبةً منقطعةً عن النَّبَإِ العظيم، ولا تستغرق استغراقاً في ما يتصارع حوله الناس من حظوظ لاهثين أَبَداً تائهين غافلين عن الله وعن الدار الآخرة إلا انقلبت أشرعتها من مدفوع بها برياح الإيمان الطيبة إلى مَلْعُوبٍ بها بقوة ريح الهوى في محيط لُجِّيٍّ لا شعاع في سمائه لِفَرْقَدٍ يُهْتَدَى بنوره. والمحبوبون المحظوظون من عصمهم الله تعالى بِحَرِيصٍ رَؤُوفٍ رَحِيم.

ولا عجب أن وصف الله تعالى حبيبَه صلى الله عليه وسلم إذ قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ[7]، ولكن لِمَ كل هذا الحرص منه صلى الله عليه وسلم على شأنِ المؤمن، أَعْظَمِ شأنِه؟ فُطِرَ الإنسان على النسيان، وابتُلِيَ بشيطان مُسْتَغْفِلٍ مُغْفِلٍ عن ذكر الله وعن الموت وعن الدار الآخرة، وامْتُحِنَ بِنَجْدَيْن وأُيِّدَ وعُضِّدَ بِمُبَلِّغٍ عن ربِّه هادٍ مُذَكِّرٍ ناصحٍ أمينٍ، فوجب أن يُقْبِلَ هذا العبدُ بِعَيْنَيْ قلبِه على شأنه يتعاهدُه بالمجالسة الربانية وبذكر الله. والعبد بهذا في جهادٍ عظيمٍ بين ساعتين…


[1] – الأعراف 172.

[2]– رواه ابن حبان عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه.

[3]– آية 61.

[4] – آية 29.

[5] – الحج 2.

[6] – عبس 37.

[7] – التوبة 128.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى