بين الدنيا والآخرة (6) عرفتَ فَالْزَمْ

لئن أَقَرَّ الجليلان بما كان لمعافسة الأزواج والأولاد والضيعات من أثر عليهما، عَدَّاهُ هُمَا نفاقًا، فإنما هو من شدة صفاء روحَيْهِما، ومن فرط تعلُّقهما بالدار الآخرة، ومن عِظَمِ أَثَرِ ما سُكِبَ في جَوْفَيْهِمَا من معاني حبه والتعلق به صلى الله عليه وآله وسلم. وليس يظهر أثر الشائبة اليسيرة كما يظهر على صفحة المرآة الصافية النقية. وإلاَّ فأي حظ من حظوظ الدنيا كان لِمَنْ لم يترك لأهله عند الهجرة إلاَّ اللهَ ورسولَه؟ وأنْعِمْ بما تَرَك وما أعظم ما تَرَك.
روى الطبراني عن الحارث بن مالك الأنصاري أنه مر بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال له: “كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثَـةُ”؟ قال: أصبحتُ مؤمناً حقاً. قال صلى الله عليه وسلم: “اُنْظُرْ مَا تَقُولُ، فَإِنَّ لِكُلِّ قَوْلٍ حَقِيـقَةً، فَمَا حَقِيَقَةُ إِيـمَانِكَ”؟ قال: عَزَفَتْ نفسي عن الدُّنْيَا، فَأَسْهَرْتُ ليلي وأَظْمَأْتُ نَهاري، وكأنِّي أنظر عرشَ ربّي بارزًا، وكأنّي أنظر إلى أهل الْجنة يتزاورون فيها، وكأنّي أنظر إلى أهل النار يَتَضَاغَوْنَ فيها (يتصايَحون)؛ قال صلى الله عليه وآله وسلم: “يَا حَارِثَةُ: عَرَفْتَ فَالْزَمْ”.
ما عاد العرشُ ولا الْجنةُ ولا النارُ غَيْبًا مُغَيَّبًا عن قلبه؛ بل أصبح من شدة عزوفه عن الدنيا وإقباله على الآخرة كأنه من ساكنتها وأهلها. ولِهذا أُثِرَ عن الإمام علي كرم الله وجهه أنه قال: “لو كُشِف الغطاء ما ازددتُ يقينًا”. ومَنْ كان هذا شأنَه كيف تَغُرُّهُ دنيا أو تتشوق إليه أو تتعرض؟ وأنَّى يحلو له شراب وقد حَلِيَ جوفُه ورَطُبَ لسانُه بذكر حبيبه؟ وهل يهنأ له جفن بغفوة بعيدًا عن مهوى فؤاده وغايةِ مُراده؟
“يَا حَارِثَةُ: عَرَفْتَ فَالْزَمْ”.
فماذا أدرك حارثة وماذا عرف حتى استوى به عنده التِّبْرُ والتراب؟
عرف الله، مَنْ لا مَزيد على معرفته: ﴿وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ﴾[1].
في الحديث الصحيح: “الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ”[2]. والإحسانُ أعلى درجات الدين والقربِ من الله تعالى. والصحابي الجليل أدرك درجةً من الدين وارتقى مُرْتَقىً من القرب كان بهما كأنه ينظر إلى عرش الرحمن بارزا.
فَلِمَ أمره المعلم المربي صلى الله عليه وآله وسلم بلزوم منتهى هذه المعرفة؟ وما طبيعة هذه المعرفة؟ أليس من طبيعة المعرفة أن تَثْبُتَ لدى صاحبها وتترسَّخَ فتستعصِيَ على التَّفَلُّتِ والنسيان؟
[1] – النجم 42.
[2] – رواه مسلم.



