بين الدنيا والآخرة (5) ساعةً وساعة

يوصي ربُّنا سبحانه نبيَّه الحبيبَ الطبيبَ صلى الله عليه وسلم: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾[1]. وذِكْرَى الْمُذَكِّرِ الناصحِ الرَّبَّانِيِّ تمسح بيد من نور على القلب الغافل الغافي فتوقظه من غيبوبته وغفوته، وتفتح منافذ الخير إليه وتوسِّعُ مَجَارِيَه تتعهَّدها بالصيانة اللازمة. ولا ذكرى نافعة تُلْتَمَسُ عند غير الصحبة الربانية الذاكرة المذكِّرة.
روى مسلم عن أبي عثمان النهدي عن حنظلة الأسيدي -وكان من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: لقيني أبو بكر فقال كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة. قال: سبحان الله، ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله صلى عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرًا. قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وما ذاك”؟ قلت: يا رسول الله: نكون عندك تُذَكِّرُنَا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ: سَاعَةٌ وَسَاعَةٌ”. (كررها ثلاثاً).
بذكر الله تعالى تُشفى القلوب وتحيى وتطمئن وتسكن. وقد ساوى صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الشريف بين أَثَرِ صحبتِه صلى الله عليه وسلم: “عِنْدِي“ وبين أثرِ ذكرِه تعالى: “وَفِي الذِّكْرِ“.
ومن آثار الصحبة والذكر أن تصفوَ الروح وتَرِقَّ وترقى إلى درجة تكاد تُعَايِنُ “ما هنالك”، فتصْبِحَ -وهي تَدِبُّ على الأرض- من أهل الآخرة. بل إنه صلى الله عليه وسلم أقسم إنه لو ندوم على ما نكون “عنده” “وفي الذكر” لرُفِعت عنا السُّجوف فَشارَكَنا “مَنْ هنالك” مِنَ الْمَلإِ الْخَيِّرِ الطاهرِ العلِيِّ حياتَنا على الأرض قبل يوم العرض، وَلَكُنَّا مِنْ معاني الإيمان ومِنْ معارف الإحسان في أعلى درجات الإشباع الروحي حتى على فُرُشِنَا ونحن نعافس الأزواج، وحتى في طُرقاتنا ونحن نمشي في مناكب الأرض ونأكل من رزقه، ولكن: “سَاعَةٌ وَسَاعَةٌ”. وإن حركة القلب المؤمن ما بين هتين الساعتين لهو الجهاد الأكبر الموصل إلى رضا الله تعالى.
[1] – الذاريات 55.



