في نعي الأستاذ محمد السعيدي الرجراجي

التحق بالرفيق الأعلى مساء أمس الأربعاء (11 ليلا) 15 ربيع الآخِر 1447، الموافق 8 أكتوبر 2025، الأستاذ الجليل والمفكر النبيل، والمؤرخ العتيد والأديب والشاعر المُجيد، سيدي محمد السعيدي الرجراجي، رحمه الله وأعلى مقامه وخلَّدَ في الصالحين ذكره. آمين.
ولد أستاذنا الراحل عام 1939، حفظ القرآن الكريم صغيرا، وحصل على شواهد عليا في الدراسات العربية والصحافة العامة. وتخرج من مدرسة المعلمين بمراكش عام 1959 حين تتلمذ على أستاذنا وإمامنا عبد السلام ياسين رضي الله عنه.
ومذ ذلك الوقت جمعه بالإمام ما يجمع التلميذ بأستاذه، من محبة وتقدير، إلى الدرجة التي ظل وفيا لأستاذه على مدى عمره، يراسله ويسأله الدعاء والنصيحة، ويَصْدُقُه الرأي، ويعرّف به في مكتوباته وسيرته، ويوشح قصائده بمناقبه، ولا يجلس مجلسا إلا ذكره وترضى وترحم عليه.
أصدر الفقيد عدة مؤلفات في التاريخ والأدب والشعر والتراجم منها:
“رباط شاكر والتيار الصوفي حتى القرن السادس الهجري”، و”شاعر الحمراء بين الواقع والادعاء”، و”الفقيه محمد بن أحمد العبدي الكانوني: حياته وفكره ومؤلفاته”، و”رجراجة وتاريخ المغرب”، و”آسفي وما إليه”، وديوان “الحياة وأنا”، ورواية: “الهاربة”. وسيرته الذاتية “صراخ الذاكرة – لمحات من سيرة ذاتية”. وحقق كتـاب: “السيف المسلول فيمن أنكر على الرجراجيين صحبة الرسول”.
والراحل رحمه الله سليل أسرة عريقة في العلم والتصوف والصلاح ومناهضة الاحتلال. فوالده هو الفقيه العلامة سيدي عبد الله السعيدي الرجراجي رحمه الله، كان قوي الشكيمة في مناهضة الاحتلال الفرنسي، رافضا التعامل مع إدارتها الاستعمارية، حتى نفوه وأسرته الصغيرة من زاوية ابن حميدة ببلاد رجراجة إلى عبدة من 1945 حتى 1956.
وقد تشرفت بمعرفة أستاذنا السعيدي إبان اشتغالي بتأليف سيرة الإمام المجدد رضوان الله عليه، وكان أول لقاء لي معه في 3 يونيو 2013 ببيته المنيف بمدينة آسفي. فقدم شهادته في أستاذنا وإمامنا رضي الله عنه.
وكان آخر لقاء لي بأستاذنا السعيدي رحمه الله في 16 نونبر 2024، حيث حظيت مع الأخوين مولاي عبد الحفيظ البقالي وإبراهيم رمزي بجلسة ربانية في حضرته، أتحفنا فيها بما فتح الله له على مدى أكثر من ثلاث ساعات. وهو لقاء يحتاج وحده توثيقا مفصلا لما كان فيه بحضور نجله الأستاذ الأديب الرَّضِيِّ عبد الله السعيدي.
وكان تحفة التحف في هذا اللقاء حين خَصَّنَا فأفضى إلينا بنفحة من النفحات الربانية الواشية بفضله ومقامه عند ربه، ولا نزكي على الله أحدا، مما هو شأنه تعالى مع من يحب. ذلك أنه أثناء كتابته لشعره عن السعديين، غاب عن نفسه لحظة هاتفه فيها هاتف داخلي، في لحظة تَجَلٍّ ربّانية، فكان ما كان مما حكاه لنا. قال:
كتبت ستة آلاف بيت تحت عنوان “ملاحم هادئة”، سطرت فيها تاريخ الأمازيغ والعرب والأدارسة والمرابطين، حتى إذا وصلت إلى السعديين، وكان ذلك في شهر في رمضان 2017/1438، وكتبت في تاريخهم 400 أو 500 بيت.
وفي لحظة من لحظات الخير، سمعت هاتفا من داخل حناياي، يسألني محاورا:
ولماذا لا تخص ما تبقى من ملاحمك العشر لسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فقلت: وهل أستطيع التجرؤ على خير البشر، فأنظم في سيرته الطاهرة؟
فقال: إنك تستطيع. ومن كانوا مثلك استهواهم الأمر، وبدأوا حتى فتحت لهم الأبواب.
فقلت: وماذا أكتب عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فقال: جئت للبحر الزَّخَّار والكنز الذي لا يفنى وتسأل عما تكتب؟!
فقلت: يا صاح، إني متردد وخائف. وهل لمثلي أن يتجرأ على مقام النبوة؟ ومن أنا حتى أفعل؟
فقال: ليس في عملك ما يخيف، وهذه جرأة محمودة، بل هو حب كبير وتقديس لرسول الله وأنت واحد من أحبهم من الإنس والجن، وواحد ممن منحهم الله الكتابة والتحبير. وأخيرا هو واجب على كل قادر. ولا عليك، فنور رسول الله يهديك، والأعمال بالنيات. توكل على الله.
ووضعت رأسي بين يدي، واستسلمت لفكر عميق وشعرت بهدوء نفسي يغمرني وفرحة عارمة تتقمصني. وإذا بسؤال ينبثق من بين شفتي:
– وماذا أسمي هذه السيرة؟
وإذا الجواب يجيبني من أعمق الأعماق:
– سمها: “قبسات عطرة من سيرة نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم”.
وانطلقت، وانتهيت من الأولى في 25 رمضان 1438، 2 يونيو 2017.
وهكذا تمت الأربع ملاحم بأربعة آلاف بيت (4000)، وخاتمة بمئة أخرى (100)، والحمد لله في الأول والأخير، وصلى الله على من هذه سيرته وسلم. المرجو القبول من المولى ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفوق جهدك لا تلام.
وقد أتحفنا سيدي السعيدي فأنشدنا أبياتا وأبياتا من سيرته الشعرية النبوية، ما لا يُشْبَعُ من معانيه، بما هَيَّجَ أشواقنا إلى أسوة أهل الله وقبلة أرواحهم صلى الله عليه وسلم. وَعَجَبٌ أن يكتب الرجل 4000 بيت في سيرة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، ولكن الأعجب منه، أن يكتبها بشعر راقٍ محبٍّ حديثِ عهدٍ بربه، بلغ من الجودة ما لا يتجرأ على وصفه مثلي.
رحم الله سيدي محمد السعيدي، وأكرم نزله مع أحبابه من أهل الله، وألحقنا به وبإمامنا راضين مرضيين غير مبدلين ولا مغيرين آمين.
والحمد لله رب العالمين.
عصر الخميس 16 ربيع الآخر 1447
9 أكتوبر 2025.



