شخصيات

أم الوفاء – في وداع السيدة خديجة المالكي

ما كان أطولَ العامين اللَّذَيْنِ مرّا على لَـحَاق الإمام المجدد بربه، وما كان أشدَّهُـما على قلبها، كأنها لم تكابد في حياتها محنةً أشدَّ وطأةً من محنة فِراقِه، وكأن الشوق إليه أذاب منها الكبدَ فلم تعد تطيق بين الناس صبرَ ساعةٍ على بَعَدِه، فَعَرَجَتْ روحُها إلى باريها على عجل. وقد كانت، رحمها الله، عنوانا للوفاء من أولِ ما رَبَطَ الميثاقُ الغليظ بينهما في هذه الدنيا، وظلت رمزا للوفاء إلى آخر عهدها بها.. أليست هي أمَّ الوفاء؟ 

الأصلُ الشريف، والدَّوْحُ الْمُنيف

خديجة المالكي الشافعي السباعي.. فتحت عينيها على هذه الدنيا في عام اثْنَيْنِ وخَـمْسِينَ وتِسْعِمِئَةٍ وألفٍ، وبباديةٍ بشيشاوة بإقليمِ مُرَّاكِشَ كان مَسْقِطُ الرأس، حيث نزح أجدادها منذ بضعة قرون من قبيلة أولاد بن السبع المنحدرةِ من الساقيةِ الحمراء، أما النسبُ فيرجع أباً عن جَدٍّ إلى آلِ بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

المنعطفُ الكبير

بعد أن انتقلتْ مع أسرتها إلى المدينة القديمة بالعاصمة الرباط، وعمرها لم يكن يتجاوز الخامسة، وولجت مدارس محمد الخامس، كان المنعطفُ الكبير في حياتها. ذاك حين تعرفت على زميلتها في الدراسة، عفيفة أرسلان، واستجابت لدعوتها للالتحاق بالزاوية البوتشيشيّة.

اَلْمِظَلَّةُ الرّبّانيــــَّـــــة

كانت صحبةُ الحاجِ العباسِ رحمه الله، الظلَّ الذي أَوَتْ إليه مع من أوى، وهي في الخامسةَ عشْرَةَ من عمرها، وكانت تلك الصحبةُ المباركةُ، الْمِظَلَّةَ الرَّبَّانِيَّةَ التي جمعتها بالإمام المجدد، فكان الميثاقُ الغليظُ الذي ربط بينهما على المودة والرحمة والوفاء، وعلى طلب وجه الله والدار الآخرة. 

الموقف الجهادي

وجاءت رسالةُ “الإسلامُ.. أو الطوفان!، فكان ذلك الموقفُ الجهاديُّ التاريخيُّ العظيم، الذي كانت فيه سندا وظهرا لزوجها الذي تحمل ضريبةَ كلمةِ الحق عند السلطان الجائر، فتجرعت في سبيل الله من مرارة تداعياته، وتحملت من أجله من حرارة جمره، ما يكاد ينفطر له القلب، ويذهب بالنفس كل مذهب. 

البِناء مع البَنَّاء

كانت سندَ الإمامِ في حركته في الميدان، وشريكتَه حين شرع في بناء الجماعة، وظهرَه في معاركه المتوالية ضد الاستبداد. فقد كان بيتُها ملتقىً لحاملي وحاملات الدعوة، ومَوْئِلاً للسالكين والسالكات درب الهدى، وعنواناً لأفواج الشباب المتدفقة طلبا لوجه الله. فكانت أُمّا حاضنة راعية كريمة.

القلب الرحيب

ما توانت في أداء واجباتها الجليلة قطّ. ما توانت وهي زوجُ رجل استثنائي، وما توانت وهي أمٌّ وربةُ بيتٍ يَؤُمُّهُ الأبناءُ والأحفادُ والعائلاتُ والأصهارُ والزُّوَّارُ والأقاربُ والأباعد، ولكل منهم حاجاتٌ ومطالبُ وحقوق. فكان قلبُها الكبيرُ يتسع برحابته للجميع، ويَأَوِي إلى ظل محبته الجميع، ويرنو إلى رغائبه الجميع، ويَكْرَعُ في مَنْهَلِه العذبِ الجميع.

القيام مع القائم

وعلى الرغم من كثرة المطالب وتعددِ أصحابِ الحقوق، وعلى الرغم من عِظَمِ الْمَهَمَّةِ التاريخية التي هيأها الله تعالى لها، كان طلبُها وجهَ ربِّـها دَيْدَنَهَا وشغلَها وهَمَّهَا، وكان حقُّه عليها محفوظا حين تقوم مع الإمام بين يدي الله في الأسحار، وعندما تنتشي وإيَّاه بذكر الله بالغدو والآصال، وكلما اقتسمتْ معه أنوارَ آيات الله ونفحاتِه وهُـمَا يتلوانِـها آناءَ الليلِ وأطرافَ النهار.

تَـمام الوفاء

ومن تَـمام وفائِها للإمام المجدد على مدى حياتها في هذه الدنيا، وفاؤُها له وهي على عتبات الآخرة. فكان لها ما تمنت من وُصْلَةِ القرب، وكان لها ما رَجَتْ من أعمق أعماق القلب، فجاء موضعُ ضريحها من ضريحِه، مثلما كانت روحُها بِإِزَاءِ روحِه. عليهما رحمةُ الله.

مارس 2015

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى