
وأعظمُ وأشْأَمُ مِنْ هذا حالُ مَنْ أمر الله تعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يتلو على بني إسرائيل نَبَأَه لنتفكَّر نحن وَنَحْذَرَ نحن ونتعظَ نحن:
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾[1].
هذا هو نبأ ﴿ الَّذِي﴾ كان أسرعَ في انسلاخه من الحق من الأفعى من جلدها، وأسبقَ إلى إغواء نفسه من الشيطان ذاتِه إليها.
وهذا هو نبأ ذاك ﴿ الَّذِي﴾ انقلب وهوى على أُمِّ رأسه من أعالي شَرَفِ حَمْلِ آيات ربه إلى هاوية التكذيبِ بها والعياذ بالله تعالى، ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾[2].
سَكَنَ إليها سكون الحالِّ الخالد، ولَزِمَهَا لزوم المقيم المطمئن، ونسي أنه عنها، يومًا، من المرتحلين.
وَمِنْ شدة تَمَكُّنِ الهوى من ذاك ﴿ الَّذِي﴾، ما كان لديه استعدادٌ ليقتلع جُذُورَ ذاتِه من أرض الحظوظ والشهوات فيرتفعَ ويرقى. ومَنْ كان هذا حالَه فأي صفة أَنْسَبُ له وهو ﴿ الَّذِي﴾ لَمْ تَسْكُبْ عليه آيات الله تعالى -إذْ كان يحملها- من أنوارها ما يجعله قمينا إلاَّ بصفة واحدة: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾[3]؛ لا ينفع معه ترغيب ولا ترهيب ولا وعْد ولا وعيد وهو اللاَّهِثُ على كل أحواله.
وهذا ليس حالَ ومثلَ ذاك ﴿ الَّذِي﴾ وحدَه، بل إن ﴿ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾[4] على مدى الأزمان؛ ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾[5].
وما كانت هذه دعوةً لِلتَّفَكُّرِ خاصةً ببني إسرائيل، بل كانت دعوةً مُسْتَبْطَنَةً لعامَّةِ المؤمنين، والسَّعيدُ مَنْ وُعِظَ بغيره. بل لم يكن أحَدٌ أعظمَ فَهْمًا للرسالة المقصودة في هذه الآيات من صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام. ولم يكن ولن يكون أحدٌ أعظمَ تفاعلاً بوحْيِه تعالى وأكثرَ فهمًا عن الله فيه وأشدَّ حرصًا على استمرار مَدَدِهِ وتَجَدُّدِ عطائه من المعلم المربي صلى الله عليه وآله وسلم.
استمع معي إلى هته الآية من سورة الإسراء:
﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾[6].
أنْصِتْ مع الْمُنْتَصِتِينَ واستجمع قلبَكَ وروحَكَ ومشاعرَك وخيالَكَ ولْنَتَفَكَّرْ معاً في حالِ قَلْبِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يتلقى من ربه هذا القول الثقيل، وفي أحدِ طَرَفَيْه التذكيرُ القوي الشديد بقدرة الله المانع، وفي ثانيهما مَنُّ الملك الوهَّابِ المتفضِّل، وبينهما رحمةُ الراحمِ الخاصَّةُ المطَمْئِنَةُ لقَلْبِ حبيبِ الله صلى الله عليه وآله وسلم[7].
﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾، فسبحان من له القدرة على أن يذهب بما في الصدور وبما في السطور معًا فلا يبقى منه ومن بركاته ومن مدده ومن أنواره ومن خيره على الْمُوحَى إليه به وعلى المبعوثِ إليهم به من شيء؛ تمامًا كما له القدرة سبحانه على الذهاب بما جعل منه كلَّ شيء حيٍّ: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾[8].
فأي حياة بَعْدُ إن جعل الله ماءَنا غورًا؟
هو الموتُ عَيْنُهُ.
وأي حياة بَعْدَ ذهاب الوحي لمن أُحْيِيَ به من موات وأَنِسَ به من وحشة وتَنَوَّرَ به من ظُلُمات؟ هما مِيتَتَان اثنتان.
[1] – الأعراف 175.
[2] – الأعراف 176.
[3] – الأعراف 176.
[4] – الأعراف 176.
[5] – الأعراف 176.
[6] – الإسراء 86/87.
[7] – (ارجع إن شئت إلى سياق الآيتين الكريمتين من سورة الإسراء ابتداءً من الآية 73).
[8] – المؤمنون 18.




