عبد السلام ياسين – الإمام المجدد (ج1)

مقدمة
«إذا أردت أن تدرك فنّا فأَلِّفْ فيه»[1].
هكذا قال الإمام عبد السلام ياسين؛ ويقصد أنك إذا كنت تجهل بابا من أبواب المعرفة فعزمت على الإحاطة بشيء من علمه، فاجعل التأليف فيه نصب عينيك، وتوسل إليه بالبحث في ماهيته، والتنقيب في أصوله وقواعده، والاطلاع على طبيعته وعناصره، ودراسة تاريخه ومدارسه ورواده. بحث وتنقيب واطلاع ودراسة تفضي بك إلى حيازة مفتاح باب المعرفة المطلوبة.
فهل تَصْدُقُ مقولة الإمام، هذه، على الرجال وعليه هو بالذات، كما تصدق على أي فن من فنون المعرفة؟ هل يحقق التأليف عنه الإدراك الكامل لشخصيته؟ هل يُغْني البحث فيها لاستيعاب كل أبعادها وامتداداتها وللوصول إلى منتهى غورها؟ هل يعين التنقيب فيها للوقوف على كل آثارها في الأجيال التي تخرجت على يديه ولا تزال، وفي مجالات النظر التي أَثْرَتْ وتُثْري بما أدلى به فيها، وفي ميادين التغيير التي يصنع الله به فيها ما يصنع؟ وإلى أي مدى وُفِّقَ هذا المؤلَّف في تحقيق هذه الأهداف؟ وما الإضافة التي أضافها هذا البحث في سيرة الرجل بأبعادها الاجتماعية والأخلاقية والمهنية والفكرية والروحية والجهادية التجديدية؟ وما حظ كاتب هذه السطور من فضل ما ورد به الخبر من أنه «من وَرَّخَ مؤمناً فكأنّما أحياه، ومن قرأ تاريخه فكأنما زاره»[2]؟
كان أمامنا في هذه السيرة أربع عقبات:
– العقبة الأولى: أن نلتقط أخبارها من أفواه الشهود، وأن نَلُمَّ شتاتها من أطراف الوثائق. وقد شرعنا في هذا العمل وكان الحظ الأكبر من صورة صاحب هذه السيرة يحتلها الفراغ لأسباب مرتبطة بما تعرض له على مدى نصف قرن من تضييق مهني، وحصار ميداني، وتعتيم إعلامي، ودعاية مضادة، حجبته عن الناس في الداخل وفي الخارج حينا من الزمن، ووأدت، أو كادت، حقائقَ تاريخية كان هو موضوعَها أو صانعَها أو أحدَ الفاعلين فيها. وزاد من اتساع مساحة ذلك الفراغ رحيلُ طبقة لا بأس بها من أقربائه وزملائه وتلامذته ورفاق دربه إلى الدار الآخرة قبل أن يُدلوا بشهاداتهم فيه. أضف إلى هذا الصمت المطبق الذي يلتزمه، إلى حدود كتابة هذه السطور، بعض من لا يزال منهم حيا يرزق.
– العقبة الثانية: أن نرتب ما جمّعناه، كلَّ جزء في مكانه الصحيح زمانا ومكانا، وبحجمه الحقيقي، وبعمقه الطبيعي، دون بخس أو تفخيم.
– العقبة الثالثة: أن نحسن ربط سيرة الرجل بما نقشه بمشروعه التربوي في البلاد في المرحلة المهنية من حياته، ثم بما أثَّله من مشروعه المجتمعي التغييري بعد ذلك.
– العقبة الرابعة: أن نحسن قراءة سيرة ومشروع الرجلّ، إذ هي أمانة عظيمة تتضاعف معها تبعات التهاون ومضارّ الإخلال مهما كانت النية سليمة.
فهل كانت هذه السيرة موفَّقة في تجاوز هذه العقبات الكَأْدَاء وفي الإجابة عن تلك الأسئلة المشروعة؟
وفي انتظار الجواب، فإن رجاء كاتب هذه السطور أن يكون قد نجح بنسبة مقبولة في مهمته توثيقا وتحقيقا وتعليقا، أخذا بعين الاعتبار السياقات العالمية والمحلية التي واكبت أهم المحطات في حياة صاحبها، والتي من دونها يصعب تقويم مساره ومسيرته، واستحضارا لإنتاجاته الفكرية التي تحمل خطة مشروعه التغييري، وحرصا على التعريف بسيرته في الناس، وبحركته الميدانية التي انتقل بها من مجرد رقم من هذه الملايين المملينة من عامة الناس، إلى رجل يحمل بين جنبيه مشروعا تغييريا تجديديا، إلى أمة من الناس هي اليوم، في الميدان، من أكبر الحركات الإسلامية في تاريخ الأمة الحديث.
وفي ختام هذه المقدمة، نتقدم بجزيل الشكر وأوفاه إلى:
– الأسرة الصغيرة للإمام عبد السلام ياسين، ونخص بالذكر كريمته الأستاذة ندية ياسين، ونجليه، المهندس كميل ياسين، والأستاذ محمد ياسين، لما أبدوه من اهتمام بالغ بهذا العمل، ولما أغنوه به من معلومات ومعطيات، ولما شهدوا به لمضمون هذا العمل ولصاحبه بعد مراجعة أبوابه وفصوله.
– الأستاذ محمد عبادي، الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، والذي شرف كاتب هذه السطور بمراجعة هذه السيرة وبالتقديم لها.
– الأستاذ عبد الكريم العلمي، رئيس مجلس شورى الجماعة، لما بذله من جهد كبير من أجل أن تخرج هذه السيرة في الحلة التي يتصفحها القارئ والقارئة، ولما أمدنا به من وثائق قيمة سلطت الضوء على كثير من شخصياتها ومحطاتها، ولما قام به من مراجعة فاحصة ومن تدقيق بالغ للمعلومات الواردة فيها، ولما اقتطعه من وقته الثمين في هذا السبيل خدمة لها ووفاء لصاحبها.
– الأستاذ نور الدين الملاخ، الأخ والصديق والمحب، لما دلنا عليه من مفاتيح فتحت أمامنا أبواب مراكش الحمراء، خاصة في ما يتصل بتلامذة الإمام وزملائه وأصدقائه فيها، ولما أمدنا به من وثائق، ولما أنفقه من جهد عبّد الطريق أمام تحقيق الهدف من هذه السيرة بالغيرية التي عهدناها في آل الملاخ.
– السادة والسيدات الذين تشرف كاتب هذه السطور بمحاورتهم، حيث ساهموا بشهاداتهم في كشف كثير من الحقائق التاريخية ذات الصلة بسيرة ومسار الإمام ياسين.
– ذوي الأيادي البيضاء، التي رعت ودعمت هذا العمل من مهده، وشدت من أزر صاحبه، وكابدت في ذلك ما كابدت، منذ أن دُبجت أولى صفحاته قبل ستة أعوام ونيف[3]، وإلى أن أذن الله تعالى له بالخروج إلى الناس في هذا الوقت.
تقبل الله من الجميع، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
محمد العربي أبو حزم
ليلة الاثنين 28 صفر الخير 1438ه، الموافق 28 نونبر 2016م.
[1] نقلا عن “تاريخ الجاز”، لمحمد القوبي، أحد تلامذة صاحب هذه السيرة في ستينيات القرن الماضي، في سياق حديثه عن غايتيه من تأليفه: “الأولى، ولكي أصل إليها، اقتفيت رأي أستاذي الجليل ياسين عبد السلام…”، ثم أورد المقولة أعلاه. (المطبعة التجارية والصناعية، الدار البيضاء، ص: 4).
[2] السخاوي، شمس الدين، “الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ”، ط: 1، مؤسسة الرسالة، 1407ه/ 1986م، ص: 51.
[3] راجعنا ونقحنا هذه المقدمة من أجل الطبعة الثالثة في 1 يوليوز 2021م.
