شهادة الأستاذ المقرئ الإدريسي أبو زيد

هذا نص شهادة الأستاذ المقرئ الإدريسي، القيادي الإسلامي البارز، بالدار العامرة بسلا في 17 دجنبر 2017، وقراءته في كتاب: ″عبد السلام ياسين – الإمام المجدد″ للمؤلف، بمناسبة الذكرى الخامسة لانتقال الإمام عبد السلام ياسين رضي الله عنه إلى الرفيق الأعلى:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أنا لا أُعوِّل كثيرا على بعض الالتقاءات، لأنها ليست في ميزان الله شيئا، ولكن من حق المسلم أن يتفاءل، والإشارات في عالم الرمز الروحي لها مكان، ولو أنه لا تُبنى عليها أحكام.
ذكر (المقدم) أنني من مواليد مراكش سنة ألف وتسعمائة وستين، ولو أضاف لقَرَّبني قليلا من الشيخ (عبد السلام ياسين)؛ فأنا من مواليد 19 سبتمبر، وهو مواليد 17 سبتمبر. أنا في باب دكالة وُلِدت، وهو في باب دكالة وُلِد. والفرق بيننا بضعة دُرُوب قليلة، هو في درب المدردب، وأنا في درب المْصَوْبَرْ. وحتى درب المصاوبر مدردب، وفيه وُلِد الشيخ مصطفى البحياوي، ونشأ القارئ الكبير عبد الرحيم النابلسي.
أنا أشتبه معه في هذه الأمور رجاء أن يكون فيها بركة لي.
الإخوة الكرام، أنا طُلِب مني قراءةٌ في هذا السفر الجليل «عبد السلام ياسين – الإمام المجدد»، لكاتبه أخينا محمد العربي أبو حزم، بحجميه الكبيرين هذا وذاك، وهما في المجموع ألف صفحة، عشرون ألف سطر كُتبت بروحٍ وعقل. فأْذَنوا لي في الخمس عشرة دقيقة أن أقسم حديثي إلى قسمين: أسميت الأول: «ومضات أُولى في السيرة». وأسميت الثاني: «ومضات ثانية في صاحب السيرة».
أولا- ومضاتٌ أولى في السيرة:
نحن بصدد سيرةِ سيرةٍ، وحقّ المؤلف علينا أن نقول له: «هُمُ السعداء لا يشقى بهم جليسُهم».
وكم شَرُفَ المادحون والمؤرخون بمن كتبوا عنهم!
ففي مغربنا، حتى نبقى في بلادنا، القاضي عياض والإمام البوصيري، رجلان شَرُفَا شرفا كبيرا بنظمٍ ونثرٍ كُتباه عن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. وتعلمون أن القاضي عياض مغربي، وقد يَعْجَبُ البعض: البوصيري مغربي!
ولأخينا (المؤلف) كتاب عنه (في الهامش: يقصد «ضرح قصيدة البردة» 2010)، فاسمه الأصلي محمد بن سعيد الصنهاجي، وهو من صنهاجة، ولهذا يزداد فخرنا بأن نكون إن شاء الله نحن في بلادنا هذه مَحضِن هذين العظيمين اللذين شَرُفَا بسيرة المصطفى نظما ونثرا.
نرجو أن يكون لأخينا حظٌّ من أن يَشْرُفَ بهذه السيرة التي كتبها، رغم أنه نوى ما ينويه كتّاب السيرة عندما قال في الصفحة 11: «من أرَّخ مؤمنا فكأنما أحياه، ومن قرأ تاريخه فكأنما زاره»، نقلا عن الإمام السخاوي.
ولكن هو الذي فعلا يَشْرُف، وهو الذي يوَرِّخ لنفسه، وهو الذي يُحيي نفسه بالكتابة عن هذا الرجل، خصوصا وأن الله لا يُضيع أجر من أحسن عملا. وقد بذل سبع سنواتٍ طوال – لا أقول: عِجاف – في كتابه هذا السفر الضخم من أزيد من ألف صفحة.
هي سيرةٌ عملاقة لمترجَمٍ له عملاق، ضخمة الحجم، واسعة المناكب، تشعُّبا وتشابكا وتركيبا وتحليلا، في حياة الشخص وحياة العصر. كما أشار مقدم السيرة ذلك سيدي محمد العبادي، عندما قال بأنها ليست سيرة للرجل، وإنما هي سيرةٌ للعصر.
نهض بهذه السيرة بحزمٍ من في اسمه حظٌّ من صفته: الحزم، لعلها تُحيل على ابن حزم الذي نهض لما ندب نفسه إليه خدمة العلم بحزم. وهو، كما يظهر من الإهداء لوالده، ذريةٌ بعضها من بعض؛ فهو ليس فقط فنانا وصحفيا، وإنما هو ابن عالمٍ إلى روح والده الحبيب العلامة الأريب، والفقيه الأديب.
الحمد لله، إذا عُرِف السبب بَطَل العجب.
كتب أخونا هذه السيرة، وفي شرعنا: «ما تكتبه يُكتب عليك»، هكذا تعلمنا، وحفظنا من شعرائنا الكبار:
وما من كاتبٍ إلا سيفنى *** ويبقى الدهرُ ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفك غير شيءٍ *** يسُرُّك يوم القيامة أن تراه
هذه لغة الشرع ولغة الأدب، وهو الفنان، أنت لا تكتب، وإنما يكتبك ما تكتب. وأحمد مطر قال: «أنا لا أكتب الشعر، وإنما الشعر يكتبني»، لأنه كان محترقا حتى النخاع بما يُكابد وما يُنظِم فيه.
لكننا لسنا بصدد إبداع، هذه سيرةٌ، عملٌ فكري، رغم أن السيرة دُرِست لنا ضمن الأنواع الأدبية، خاصة إذا كانت سيرة ذاتية.
هل كان أبو حزم يكتب بعيدا عن ذاته؟ أبدا. ولا هو ادَّعى ذلك مرة واحدة خلال العشرين ألف سطر التي دبجها. أما مقدم الكتاب فقد كشفت المستور.
ما هو إذا؟
لقد تعلمنا في مناهج البحث العلمي أن الموضوعية لا تعني الحياد بالمعنى البارد الذي يُلزِمنا الغربُ به، عندما يطلب من صحفي أن يُصوّر مشاهد ذبح المسلمين في بورما دون أن يتأثر. هذا الحياد البارد لا نريده، لأنه الموت. هي قاعدةٌ وإن بلورها في البداية أنصار المنهج الاجتماعي من اليساريين الماركسيين، إلا أنها اكتسبت صفتها الإبستيمولوجية من ممارسة النزهاء، شرط احترام ضوابطها.
وهو ما لامس المؤلفُ سقفه عندما قال في الصفحة 12، وأنا بالنسبة إليّ هذا السطر الموجز سقفُ الموضوعية، يقول:
«الأول: أن أجمع الشهادات، والثاني أن أرتبها وبحجمها الطبيعي وعمقها الحقيقي دون بخسٍ أو تفخيم.»
إذا، الموضوعية لا تعني الحياد، وهي إبستيمولوجية حاضرة إذا كان هذا السقف الذي رسمه الكاتب لنفسه وسطره بيده في الصفحة 11.
هي سيرةُ عصر، هكذا علمتنا سِيَرُ الجادّين، لعل آخرها سيرة الشاهد المشهود لوليد سيف، سيرة فلسطين في سيرة فلسطيني. وهو ما وقف عليه المقدِّم سيدي محمد العبادي، في الصفحة 9، عندما قال:
«هذه السيرة لا تُغفِل الحديث عن الزمان والمكان، وعن الأوضاع السياسية والاجتماعية، وعن الملابسات والحيثيات التي اكتنفت صاحبها.»
لأن المثقف العضوي، بتعبير غرامشي، لا يمكن فصله عن محيطه تفاعلا وفعلا، وكذلك كان الشيخ رحمه الله.
الكتاب، كما ذكر مقدمه، يشدك إليه. محبةٌ لم تمنع موضوعية. نَفَسٌ أكاديمي صارم، شَعَّ ليحول دون برودة الأكاديميين، لغةٌ جميلة فيها إشراقٌ ونورانية.
سفرٌ شريف. بتعبير الإمام التهانوي، أحد أعلام هذه الأمة، في كتابه الرائع الذي أعتبره أنا من أسس إبستيمولوجيا المسلمين، كتال «كشاف اصطلاحات الفنون»، عندما قال في المقدمة:
«إن كل علم يشرف بشرف موضوعه، أو شرف غايته، أو شدة الحاجة إليه.»
وأظن أن هذه الثلاثة قد اجتمعت في هذا السفر الجليل، وخصوصا الأخيرة: شدة الحاجة إليه.
فما أقل سِيَرَ المغاربة البانين الذين التي كُتبت، وما أحوج أبناءنا اليوم إلى القدوة في زمن افتقاد القدوة.
أخيرا، بالنسبة لهذا القسم الأول، طموحي لا أن أُنوب عن قراءة هذا السفر الجليل، وأنّى لي؟ وكيف لِجَمَلٍ أن يُوضَع في شطيرة؟ كيف لألف صفحة أن تُلخّص في خمس عشرة دقيقة؟! فأحرى أن أُغني عنه! بالعكس، إنما دعوتي في هذه الكلمات إلى أن أَحْفِزَ لقراءته.
وإن كان من عيبٍ لاحظتُه على الكتاب -إن كان عيبا- فهو أنه ضخم.
ولهذا أدعو إلى تلخيصه وتبسيطه ليُوضَع بين يدي الناشئة في كتابٍ صغيرٍ متوسط القطع لا يزيد عن مائةٍ وخمسين صفحة، لأن أبناءنا لا يقرأون.
ثانيا- ومضاتٌ ثانية في صاحب السيرة:

حياة المترجَم له، كما في هذا السفر الضخم من جزأين، حافلةٌ ببداياتها الواعدة، حافلةٌ وسطها بالتحولات الدالة، مزدحمةٌ نهاياتها بالإنجازات النوعية، وصولا إلى خاتمةٍ حسنةٍ نرجو، أُمِرْنَا بالظواهر، والله يتولّى السرائر.
سواء كنتَ من مُريديه، أو من خصومه، أو من المحايدين، لا يمكنك أن تتجاهل حقيقة أنه ليس شخصا عاديا، رقما يُضاف إلى أرقام، بل إنك تستفيد منه ويستفيد منه تابعه ومريده وخصمه ومعانده والمحايد المطلع عليه، كلٌّ على قدره من هذه الأصناف الثلاثة.
لا شك أنه ليس فوق النقد، فقد تعلمنا: ″كلٌّ يؤخذ من كلامه ويُردّ إلا صاحب هذا القبر″. وقد أشار سيدي محمد العبادي إلى ذلك في كلمته، ولكنه فوق كل اتهام، فَأَحْرى كلّ تجاهل.
كان جدّا كلُّ أمرِه، في مراحل عمره الثلاث: ما قبل الحيرة، وأثناء التحول، ثم مرحلة الاستقرار والعطاء والبناء، إصرارا في إصرار.
شخصيةٌ متعددة الأبعاد، حاول في المقدمة الكاتب أن يُلخصها بطريقته في سطور، فقال: «أبعادها الاجتماعية، والأخلاقية، والمهنية، والفكرية، والروحية، والجهادية، والتجديدية»، وهو ما فصّله وبيّنه في هذه الألف صفحةٍ أو يزيد.
لو أخذتَ بعدا واحدا يأتي في الرتبة الثانية من أبعاده بعد البعد الأول في رأيي، وهو التربية والدعوة والجماعة، فالبعد الثاني هو بُعد التأليف.
وقد لخّصتُه أنا شخصيا في طُرّة الكتاب في الصفحة الخامسة بقولي بإيجاز:
غطّى بكتبه شتى مجالات الحياة والفكر، كتب للملوك والعلماء والعوام، كتب في شتى القضايا الشائكة، أغضب الكثيرين، وأفاد الكثيرين، وتعلّم منه الجميع. حَرْكَنَ التصوفَ -مع الاعتذار للغة العربية- وَفَكْرَنَ الروحَ، ورَوْحَنَ الفكرَ، وسَيَّس الدعوة بالمعنى الإيجابي لكلمة التسييس، وَدَعْوَنَ إلى السياسة.
وهو بَعْدُ مدرسةٌ أسلوبيةٌ فريدة، لا يشبه أسلوبُه اللغوي أسلوبَ غيره من كبار الكتّاب، فقد اختطَّ له في العربية بابَ إبداعٍ خاصٍّ، لم تَزِده أصولُه الأمازيغية وإتقانه للغات الأجنبية إلا نصوعا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.




