رد الدكتور محماد رفيع على “قبل فوات الأوان!”

في 2 يونيو 2020، نشر الدكتور محماد رفيع في حسابه على الفيسبوك ردا على ما جاء في رسالتي المفتوحة إلى الأستاذ محمد عبادي، “قبل فوات الأوان – رسالة مفتوحة إلى الأمين العام لجماعة العدل والإحسان”. وفي ما يلي النص الكامل للرد:
قرأت ما كتبه الفنان الأديب أبو حزم حفظه الله فألفيته كلاما طويلا فيه الكثير من الشكاوى والأحكام على الأشخاص والهيآت في قضايا تفصيلية متعددة، لا يعنيني الخوض فيها إنما يعنيني ما عليه مدار الكلام كله وهي قضية واحدة وهي (أن الإمام ياسين “أوصى” في مجلس من مجالس رابطة الكتبة من سنة 2005 باعتماد الرؤيا في اختيار المصحوب بعد وفاته، بناء على أن الصحبة التي هي لب مشروع العدل والإحسان لا تكون في فهم أخينا أبي حزم إلا لرجل حي عينته “الإشارات الإلهية”.)
وعلى هذه القضية (التي لم يكلف أخونا نفسه عناء تحريرها ولا تأصيلها ولا تحرير محل النزاع فيها) بنى كل ما سواها من أحكام قيمة واتهام مما جرى في رسالته الطويلة، وعليه فتعليقي أوجزه في العوارض الآتية:
- وصية الإمام ياسين الوحيدة تلك التي كتبها وطبعها وأذاعها في الجماعة وفي الناس أجمعين، أما ما جرى في معرض حديث الرجل في مجلس عام يحضره خليط من الإخوة والأخوات، موضوعه غير موضوع الرؤيا المنامية قطعا، فتسميته وصية من باب التجوز في الكلام.
- شأن ما يراه المرء في منامه إن كان من الرؤيا الصادقة فيستبشر به ولا يغتر به، غير أنه يحتاج إلى تعبير من أهل هذا الشأن (وكل فن يسأل عنه أهله)، لا أن يعمد إلى تطبيق ما رآه في منامه على الناس، فيعرض نفسه للزلل، يقول الإمام ياسين: ” ومن يرى رؤيا فيها رموز ثم يطبقها دون أن يعبرها فهذا عرضة للخطأ وعرضة للزلل، ومن يزعم أن الرؤيا التي رآها سابقة على الأمر الإلهي النبوي كما جاء في الشريعة هذا خاطئ ومخطئ معا” (حوار شامل مع الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين ص69).
أما أن تعتمد في اتخاذ القرارات التنظيمية العامة وفي بناء المؤسسات وفي تدبير الاختلاف فليس أكثر من تجاوز الأمر الإلهي بالشورى. - إنما المعتمد شرعا وعقلا في بناء المؤسسات وإدارة الاختلافات كلية الشورى التي اتخذها الإمام ثالثة ثلاث من كلياته الناظمة لمشروعه، وهي التي اعتمدها النبي صلى الله عليه وسلم في اتخاذ القرارات الاستراتيجية وغيرها، وهي التي امره الله بها وهو نبي يوحى إليه “وشاورهم في الامر”.
- وهب أنها وصية فهل ما فهمته أخي من ضرورة صحبة رجل حي يتعين “بالإشارات الإلهية” يقوم حجة على مؤسسات الجماعة وعقولها وأطرها؟ فما العيب إن رأت مؤسسات الجماعة غير ما رأيت، فأقل ما يقال في المسألة اختلاف، فهل نستدعي في تدبير هذا الاختلاف الأصول الشرعية المقررة المحررة أم ما يراه فلان وعلان من الناس في منامه؟
- ألا ترى أخي الحبيب أن المعتمد المؤصل المقصود الذي إليه التحاكم هو ما كتبه الإمام في مشروع المنهاج النبوي المفصل الذي قال فيه رحمه الله: “فأنا بذلت فيه عصارة فكري وعصارة رغبتي في نصر كلمة الله عز وجل.” (نفسه ص40).
- فليس كل ما نص عليه الإمام مما هو حق حان أوان تنزيله، وإن حل وقت تنزيله فليس له وجه واحد في التنزيل.
- إن القول بتحكيم مرائي منامية في تأسيس المؤسسات وتدبيرها جرأة في ابتداع القول بأصل لم يتقرر عند الأصوليين القدامى ولا المحدثين، وخروج عن معهود الشريعة في ضبط الأحكام وفق الإدراك الجمهوري والمعهود البشري كما يذهب الشاطبي رحمه الله.
- إن ما أوصى به الإمام حقيقة هو أن نخلفه بالحسنى فيما أثله لنا عدلا وإحسانا وشورى بإرادة جهادية وعزمة اجتهادية.
- اقرأ إن شئت حبيبي حقيقة ما أوصى به الإمام رحمه الله في تواضع لا نجده إلا عند كبار أئمة السلف من أمثال مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم، يقول الإمام رحمه الله وهو يوصي بمنهج التعامل مع ميراثه: “. ما كان لي وما يكون لي وما ينبغي أن أزعم للناس وأن أدعوهم هلموا، اتخذوا هذا الفكر وثنا، وقفوا عنده وتحجروا، فأنا أقصد عكس هذا…. فأنا أرجو الله عز وجل وأسأله جلت عزته أن تكون هذه القواعد التي بسطتها في متناول الجميع، يؤخذ منها ويترك حسب الوقت وحسب الظرف، حسب الزمان وحسب المكان. وما هي إلا محاولة لجمع شعب الإيمان وتصنيفها… وعلى الناس – في زماني وبعد زماني، في هذه الجماعة وفي غيرها -أن ينتقدوا، وأن يحللوا، وأن يردوا، وأن يأخذوا، وأن يطوروا، وأن يحوروا، فذلك ما أريده. وأرجو الله ألا يقف أحد معي فأنا أحاجه عند الله عز وجل إن اتخذ فكري وثنا وصنماً. ” (المرجع السابق).
- وختاما أرجو الله أن يقينا الزلل وسوء التأويل والحمد لله رب العالمين.
