رسالة الفن

مقدمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات..
والصلاة والسلام الأتمان الأكملان علىسيدنا محمد وآله الطيبين وصحابته الأكرمين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين..
أما بعد..
فما محل الفن من الإعراب في سياق جملة الدعوة؟
هل الفن “بدعة” ما كان أغنانا عنها، كما يحلو للبعض أن يقول؟
أهو “ديكور” في واجهة البناء الدعوي لا تأثير له في قوته أو ضعفه أو قيمته؟ أم هو في أحسن الأحوال مجرد أداة ترويحية تلطف الأجواء وتريح من أعباء الدعوة؟
ما الذي ساهم في هذه النظرة؟
هل ساهم فيها كون أهل الفن فينا هم من البسطاء الذين لايُعرفون إذا حضروا ولا يُفْتَقَدُون إذا غابوا؟
ألأنهم لا يحملون على أكتافهم نياشين تُسْبِلُ عليهم وعليه من هيبتها ما يجعل لهم وله شأنا بين أهل الدعوة كبيراً؟
أم لأنهم يقفون عملهم الدعوي على هذا التخصص الذي يُعتبر في كثير من الأحيان مجرد “نشاط” بكل ما لهذه الكلمة من إيحاءات؟
هل الفن قاسم مشترَكٌ فيه بين بني البشر لا نسب له إلا نسب الإنسانية، ولا لسان له إلا لسان الإنسانية، فيكون من أجل ذلك فَنُّ زيدٍ أو عمرٍو من الناس صالحاً لأي إنسان ما دام إنسانا، ويكون لساناً من اللسان يفهمه ويتذوقه وينفعل ويتفاعل معه كل إنسان، وديناً من الدين يهيمن على روحية كل إنسان ويتقمصها ويوجهها؟
لقد أضحت مقولة: “الفن لا وطن له” شعاراً مظلةً يتسلل تحتها كل فن سقيم. ولا يقف الأمر عند حد تأثر المتلقي بفن وذوق الملقي الغازي، بل يتجاوزه إلى تأثره بِسَمْتِهِ وفكره وأسلوب حياته ونظرته إلى الكون والحياة والإنسان.
بهذا يكون الفن أخطر من ألف خطبة وموعظة وكتاب.
إن الفن، أيَّ فنٍّ مهما كان لونه، يحمل في طياته روحَ وفكرَ وأسلوبَ حياةِ حامِلِه، ويبقى دائما وأبدا مُرْتَبِطا بمنبعه ارتباطَ الجنين بِرَحِمِه.
كيف يكون فننا لساناً آخر من ألسنة الحكمة، وباباً آخر من أبواب الرحمة، ناطقاً بلغته عن روحهما، مشيراً بعبارته إلى سعتهما، مستميحاً من عيون فيوضاتهما؟
أم كيف يكون سبيلاً من سُبُلِ الدلالة على الحق، ونوراً من أنوار الهداية إلى الرشد؟
أم كيف يكون يداً وضيئةً من أيادي الدعوة المجيدة؟
هل نطمع أن نؤسس حركة فنية تنتسب إلى الوحي وتكون جناحاً فنيا للدعوة؟ وَمَن هؤلاء وكيف هؤلاء الذين نطمع أن يحملوا لواء هذه الحركة الفنية المنتظرة؟ وكيف نُجَـنّـِبُها أن تنطلق من مرجعية واحدة أصيلة في النية وتسقطَ، لا قدَّر الله، في مرجعيات مُرَكَّبَةٍ هَجِينَةٍ في الفعل؟
ما هي خصائص خطابنا الفني ورسالتنا الفنية؟
ما هو، في كلمة واحدة، مشروعنا الفني؟
أسئلةٌ يُرَامُ بالجوابِ الفكري التخطيطي الميداني العملي عنها التعرضُ لنفحات الله في أيام دهرنا هذه، والتماسُ أنوار الصبح القريب القريب، حتى لا تشق قافلتُنا طريقها نحو ما لا تدري، وحتى لا تتيه في الليل البهيم عن الخطّة والدليل الْمُوَجِّه الخبير، وحتى لا يَضَعَ الفرسانُ الحبالَ على غَوَارِبِ أَفْرَاسِهِمْ قبل أن يتبـيَّنوا سبيلَهم. وعند الصباح، يَحْمَدُ القومُ السُّرَى.
