قبل فوات الأوان

ديـــبـــاجة

إلى سماحة الأستاذ محمد عبّادي

الأمين العام لجماعة العدل والإحسان

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وبعد فأحمد إليك الله تعالى، القائل في محكم كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.[1] آية عظيمة قال عنها سيدنا عبد الله بن مسعود رضـي الله عنه فيما رواه الطبراني إنها “أجمع آية في القرآن لخير وشر”. جامعة آمرة بكل خير، مانعة ناهية عن كل شر. وأولى علامات اتعاظنا بهذه الآية العظيمة أن نتآمر بأمرها ونتناهى عن نهيها.

وأصلي وأسلم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، المصحوب الأجل الأعظم، والنبي الشفيع المشفع الأكرم، والرحمة المهداة الأعم، البالغ من العبودية لربه ما لا يُطار له على جناح ولا يُسعى على قدم، القائل في الحديث الشريف الذي رواه النسائي وابن حبان رحمهما الله: “إن الله سائلٌ كلَّ راع عما استرعاه حفظ أم ضيع؟”، وفي الحديث الذي رواه مسلم رحمه الله: “الدين النصيحة”. قلنا لمن؟ قال: “لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم”.

وأترضّى على ولِيِّ نعمتنا، سيدي ومولاي عبد السلام ياسين – قدّسَ اللهُ سرَّه العزيز – مَنْ بعثه الله في هذا الزمان للدين مجددا وإلى الحق مرشدا وبالمنهاج النبوي الخالد دليلا مؤيَّدا. من أخرجنا الله به من الظلمات إلى النور. ونَظَمَنَا بيده الكريمة في سلك الصحبة النوراني جماعةً، كما تُنْظَمُ حبات المسبحة في خيطها، القائل رحمه الله ورضي عنه:

«وعلى كل مؤمن أن يُوَطِّنَ نفسه لينتقد بصراحة وحزم، وأن يوطنها على تقبل النقد، وأن يوطنها على السكوت والاعتراف بالخطإ، وأن يُعَوِّدَهَا داخل المجلس وخارجه أن تحاسَب وتؤدَّب. وأن يكون هينا لينا ذليلا – أي سهلا – على إخوته إن نصحوه. ويقول كلمة الحق كما يراها في غير عنف لكن بصدق لا يخاف في الله لومة لائم».[2]

وأترحم على الأَبَوَيْنِ الـْمُجُاهِدَيْنِ، والـْمُحَمَّدَيْنِ العظيمين، سيدي محمد العلوي السليماني، وسيدي أحمد الملاخ. رحمهما الله وأحسن إليهما وأعلى درجتهما، بما حَمَلاَ وتَحَمَّلاَ وبَذَلاَ في سبيل إعلاء كلمة الحق. فلقيا ما لقيا دون أن يَتَأَوَّهَا أو يَتَنَدَّمَا، ولا جماعة حينئذ يستقويان بها، ولا ركن يؤويان إليه، ولا ظهر يحتميان وراءه من سهام وبطش الباطل، إلا ما كان من ركن المصحوب العظيم وظهره. وظلاَّ على العهد الوثيق حتى لقيا ربَّهُمَا ورِضَا مصحوبهما يُظَلِّلُهُمَا، ودعواتُه تَحُفُّهُمَا، ومعها دعواتُ المؤمنين والمؤمنات المجاهدين والمجاهدات في كل جيل، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وأبارك لك سيدي سماحةَ الأمين العام هذا الشهر العظيم، شهر القرآن وشهر الغفران وشهر الجهاد. أَهَلَّهُ الله علينا وعليكم باليمن والإيمان، والسلامة والإسلام، وبلَّغنا وإياكم فيه مما يرضيه آمالَنا وآمالَكم، ورجاءنا فيه عز وجل ورجاءكم. وحفظنا فيكم وفي أهلكم وأحبابكم بما يحفظ به عباده الصالحين المصلحين. وأيَّدَنا وإياكم بما يؤيد به عبادَه المجاهدين. وتقبل منا ومنكم. آمين.

أكتب إليك سيدي حلْقة – كم أرجو أن تكون الآخرة – في سلسلة ما بدأتُه منذ أكثر من عام. لا جرأةً على رجل يعرف الجميعُ سابقته وجهادَه وغَناءه في الدعوة في هذه البلاد، على مدى أربعين عاما، ويذكِّر بعضَنا تواضُعُه ولينُ جانبه وما يندى به وجهه من أنوار وبركات بإمامنا رضـي الله عنه. ولا أكتب ما أكتب تطاولا على من هو في مقام الوالد وينبغي له من الأدب والبر والتبجيل ما ينبغي له رحمه الله. وإنما أكتب، إن شاء الله، أداءً للواجب ليس تجاه الشخص، ولكن تجاه من يتحمّل مسؤولية تنظيمية من درجة “الأمين العام لجماعة العدل والإحسان”. ليس إلا.

أكتب إليك سيدي الأمين العام ولا يُرى من هو أشدُّ منك تَهَمُّماً بأمانة العدل والإحسان؛ وقد كنتَ رفيق الإمام رحمه الله منذ أن وضع أول لبنة في بناء “أسرة الجماعة” ثم “جماعة العدل والإحسان” قبل أربعين عاما. ثم حُمِّلْتَ ثِقْلَهَا بعده في ظرف دقيق جدا لا تُحْسَدُ عليه. ولا أَرْطَبُ منك لسانا لاهجا بأفضاله عليك وعلينا وعلى البلد وعلى الأمة؛ وأنت الذي يُحِيلُ إليه سَمْتُكَ وتواضُعُكَ وذِلَّتُكَ على المؤمنين كما تحيل النسمة الطيبة العطرة إلى أصلها في الروضة الغنَّاء بالورد والياسمين والريحان. ولا أَرْجَى بعد الله تعالى مِن قلبك بل من لسانك – إن لم تكن يدُك – في التغيير المأمول قبل أن يفوت الأوان. وَلاَتَ حين رجاء.

ولكنني يا سيدي لا أدري – مِن حيرتي – أتكون هذه الرسالة شهادة للتاريخ تبرئ ذمة صاحبها أمام الله تعالى وأمام المؤمنين وأمام الأمين العام المؤتمَن – كان الله في عونه دنيا وأخرى – وأمام الإمام المجدد العظيم رحمه الله وقدّس سره؟ أم زفرة ملتاع كواه ما تعيشه الجماعة التي علقنا عليها من الآمال ما نكاد نَغُصُّ به الآن في حلوقنا بتجافيها عن مرجعها يوما بعد يوم، وما يسري في عروقنا آلاما تَضُخُّهُا قلوبُنا حسراتٍ وتنفثها صدورنا زفرات؟ عسى الصدح بها يخفف من أوجاع الكتمان. أم هي عتاب محب لمن تحملوا أمانة العدل والإحسان بعد إمامنا ومرشدنا رضـي الله عنه، ثم سيحكم التاريخ لهم أو عليهم إن كانوا قد تحملوها كما يليق بالأمانات العظيمة فحفظوها وأَدَّوْهَا كاملةً أم ضيعوها؟ والله سميع عليم. أم هي مرافعةٌ متأخرة لمحكومٍ عليه مَسُوقٍ إلى مصيره لا جدوى منها بعد محاكمة غيابية كان للجميع فيها صفةُ القاضي والمدعي والنائب العام معاً؟ أم هي نِذارةٌ بسُنَّةٍ من سنن الله في خلقه لا تُحابي أحدا مهما حمل من شعارات قدسية؟ أم تُراها إشارة إلى الحرمان، والعياذ بالله اللطيف منه، وهو النهاية الحتمية التي أَوْعَدَ بها إمامُنا من غَيَّبُوا الوصيةَ ومقتضياتها وعطَّلوا الغيب وإشاراته وابتدعوا في الدين بدعة ما أنزل الله بها من سلطان؟

ولكنني لم أجد بُدّاً، بعد التفكير والتردد والاستخارة المفتقرة إلى ربها والتأمل الطويل، من أن أكتب إليك هذه الرسالة – ولا خير فينا إن لم نقلها – بصفتك أمينا عاما لجماعة العدل والإحسان، وبما يفرضه هذا المنصب على صاحبه من مسؤوليات جسام، لعل أقلَّها الاِنْتِصَاتُ العميق إلى كل صوت ناصح أو ناقد أو مُذَكِّر أو مُحَذِّر.

أكتب إليك سيدي هذه الرسالة بصفتي عضوا في الجماعة التي آوانا في رحابها وتحت ظله المنيف مؤسسُها ومرشدها رضـي الله عنه من شوارع التيه والغفلة والاضطراب والمجهول. واحتضننا بقلبه المنور تحت عنوان “أسرة الجماعة”، ثم تحت عنوان “جماعة العدل والإحسان”، من غير أن نكابد في طلب الصحبة ولو قدر القطرة إلى البحر مما كابده هو في طلبها وفي تحمُّلها وفي أدائها. وأفاض علينا رحمه الله من حبه وحنانه وأبوته وإيمانه وعلمه ورضاه من غير استحقاق منا، وشرّفنا بالانتساب إليه وإلى القافلة النورانية وإلى مشروعه العظيم على ما بين جهلِنا وعلمِه، وصبيانيَّتِنا ورجولتِه، ونقصِنا وكمالِه، وبُعْدِنا من ربنا وقربِه، وجُبْنِنَا وشجاعتِه، ولَثَغِنَا وفصاحتِه، وتَذَبْذُبِنَا واستقامتِه وثباته، وتشككِنا ويقينه بموعود ربه، وَزَحْفِنَا على الأرض ومعراجِه في سماء المعرفة إلى حيث انْتَعَلَ الثريا.

هذه سيدي الأمين العام رسالة مفتوحة، مبدئيا، مغلقة مؤقتا. وسيسأل كثير من إخواننا عن الجدوى من هذا. فأوضح أنني فضلت أن تطلع عليها سماحتُك أولا، وأن تتأملها بهدوء بعيدا عن ضجيج الفضاء الأزرق ومشوشاته. على أن أنشرها إن شاء الله بُعَيْد ذلك للعموم، ولكن مع تعويض بعض العبارات بنقط تُرْخِي عليها من سدولها، في انتظار أن تَنْضَجَ الظروف لرفعها. أما السبب في نشرِ ما يخص الجماعة على الشبكة العنكبوتية وإتاحتِه للعموم بدل مراسلة المعنيين عبر قنوات التنظيم الداخلية – وهو سؤال متكرر مشروع – ففي ثنايا هذه الرسالة إن شاء الله البيان.

أكتب إليك سيدي هذه التذكرة في سياق ما أصاب الناس من هذا الوباء )كورونا( الذي حكمت إرادة الله علينا بسببه بالْـمُكْثِ الاضطراري بين أربعة جدران. وهذا أدعى أن يمنحنا فرصة للتأمل في هذه الحروف والكلمات التي أسأل الله تعالى فيها التوفيق والسداد والقبول.

﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.[3]

محمد العربي أبو حزم

الدار البيضاء – ليلة الجمعة

21 رمضان 1441ه – 15 ماي 2020م


[1]– النحل: 90.

[2]– ياسين، عبد السلام، “المنهاج النبوي – تربية وتنظيما وزحفا”، ص: 84.

[3]– الحج: 54.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى